2012/06/05

المالية العمومية : الواقع و الآفاق


المالية العمومية  : الواقع و الآفاق
                                        
خلال العشرية الفارطة حصُلت عدة أحداث اقتصادية و اجتماعية كان لها بالغ الأثر السلبي على المالية العمومية، إذ تسببت هذه الأحداث في تراجع بعض موارد الدولة الهامة، من ناحية، و تصاعد بعض نفقات الدولة بنسق سريع، من ناحية أخرى.

1 – تدرج بعض موارد الدولة الذاتية نحو انخفاض مطلق

مسَ هذا الانخفاض المطلق بالخصوص الموارد الذاتية للدولة المتأتية من "المعاليم الديوانية" و "مداخيل النفط"

1.1 – تدرج "المعاليم الديوانية" نحو الانخفاض المطلق

كان لدخول "اتفاق الشراكة" مع الاتحاد الأوروبي بداية من سنة 1996 وقع سلبي كبير على المالية العمومية، ذلك أن موارد الدولة المتأتية من "المعاليم الديوانية" ما انفكت تنخفض لتبلغ 490 مليون دينار فقط سنة 2006 مقابل 773 مليون دينار سنة 1995 . و حسب تقديرات "وزارة المالية" بلغ مجمل النقص في مداخيل الدولة المتأتية من المعاليم الديوانية  2 662 مليون دينار خلال الفترة 1996-2005 . و قد حصُل هذا النقص الفادح في موارد الدولة المتأتية من المعاليم الديوانية رغم تزايد الواردات من ناحية، و تدهور قيمة الدينار، من ناحية أخرى.

1.2 - تدرج "مداخيل النفط" نحو الانخفاض المطلق

 خلال العشرية الفارطة، شهدت موارد الدولة المتأتية من "مداخيل النفط" انخفاضا مطلقا ملحوظا، إذ لم تتعدّ هذه المداخيل 120 مليون دينار سنة 2006 مقابل 241 مليون دينار سنة 1996 . و قد حصُل هذا الهبوط الهام في موارد الدولة المتأتية من "مداخيل النفط" رغم اكتشاف بعض حقول النفط الإضافية أو دخولها حديثا حيز الاستغلال، و ارتفاع سعر النفط عند التصدير و تدهور قيمة الدينار.


و يعود هذا التراجع المحسوس في موارد الدولة المتأتية من "مداخيل النفط" إلى عاملين اثنين :

·      الانخفاض الهام في حجم النفط الخام المُنتج محليا، إذ لم يتعدّ هذا الإنتاج 3.3 مليون طن سنة 2006 مقابل 4.2 مليون طن سنة 1996 ، أي بنقص يقدر ب 22% . و قد مسَ هذا الانخفاض الهام في إنتاج النفط بالخصوص أكبر حقلين في البلاد و هما حقل "البرمة" و حقل "عشتروت".
·      دخول حقول نفط حديثة حيز الاستغلال توفر منابا للدولة ضعيفا للغاية مقارنة بالمناب الذي يوفره أهم و أقدم حقل للنفط شهدته البلاد ألا وهو حقل "البرمة"، ذلك أن هذا الحقل الأخير لا زال يوفر لميزانية الدولة 85% من طاقة إنتاجه مقابل 32% فقط لبقية الحقول الأخرى. و تبعا لذلك تدرج مناب الدولة من إنتاج النفط نحو التقلص، إذ لم يعد يقارب هذا المناب إلا 40% سنة 2005 مقابل 50% سنة 1995.

تطور إنتاج النفط الخام حسب أهم الحقول
(بآلاف الأطنان)

حقل البرمة
حقل عشتروت
 الحقول الأخرى
المجموع
1983
3 443
1 308
787
5 538
1996
1 396
962
1 825
4 183
2006
469
444
2 348
3 261
المصدر : "التقارير السنوية للبنك المركزي التونسي"















مناب الدولة من إنتاج النفط حسب الحقول (سنة 2005)

الإنتاج
(بآلاف الأطنان)
مناب الدولة
(بآلاف الأطنان)
نسبة مناب الدولة
(%)
البرمة
520
442
85%
عشتروت
530
172
32%
ديدون
213
68
32%
سيدي الكلاني
91
29
32%
واد الزار
211
63
30%
ميسكار
229
64
28%
آدم-حواء-دالية-نور
763
206
27%
إيزيس
119
30
25%
الحقول الأخرى
728
294
40%




المجموع
3 404
1 368
40%
المصدر : "المالية العمومية سنة 2005" نشر وزارة المالية




تطور موارد الدولة المتأتية من النفط
(بملايين الدنانير)

حقل البرمة
حقل عشتروت
 الحقول الأخرى
المجموع
1986
261
33
19
313
1996
138
36
67
241
2006
37
11
72
120
 تقديراتنا الشخصية حسب معطيات "التقارير السنوية للبنك المركزي التونسي" و معطيات "المالية العمومية"  نشر وزارة المالية



2      – تدرج بعض موارد الدولة الذاتية نحو التباطئ

مسَ هذا التباطؤ بالخصوص الموارد الذاتية للدولة المتأتية من "الأداءات على الأجور" و "الأداءات على أرباح المؤسسات الخاصة" و "الأداءات الجزافية على مداخيل المهن الحرة" و "تحويلات قسط من أرباح المؤسسات العمومية".

         - تباطؤ موارد للدولة المتأتية من "الآداءات على الأجور"

خلال العشرية الفارطة تدرج نسق نمو موارد للدولة المتأتية من "الآداءات على الأجور" نحو التباطؤ شكل ملحوظ ، و ذلك رغم  تزايد عدد الأجراء و تحيينات الأجور و تضاعف الضغط الجبائي على الأجور (12% حاليا مقابل 6% سنة 1966). و يعود هذا التباطؤ في نسق نمو موارد الدولة المتأتية من "الأداءات على الأجور"  بالخصوص إلى تسارع انتشار أنماط التشغيل الهشة ذات الأجور الضعيفة.

         - تباطؤ موارد للدولة المتأتية من "الآداءات على أرباح المؤسسات الخاصة"

خلال العشرية الفارطة شهدت موارد للدولة المتأتية من "الآداءات على أرباح المؤسسات الخاصة" تباطؤا ملحوظا في نسق نموها، و ذلك رغم النسق المرموق في نمو الاقتصاد و بالتالي الأرباح، من ناحية، وتحسن طفيف في المراقبة الجبائية، من ناحية أخرى.

و يعود هذا التباطؤ في موارد للدولة المتأتية من "الأداءات على أرباح المؤسسات الخاصة" بالأساس إلى ظاهرتين اثنين :

·      استمرار بل استفحال تهرب أصحاب المؤسسات الخاصة من الجباية.
·      تكاثر الإعفاءات من الآداءات على الأرباح التي ما انفكت تسديها الدولة للمستثمرين الخواص


         - تباطؤ موارد للدولة المتأتية من "الآداءات الجزافية على مداخيل المهن الحرة"  

تعود هذه الظاهرة بالخصوص إلى تكاثر عدد هذا النمط من النشطين اقتصاديا، من ناحية، (إفرازات البنك التونسي للتضامن مثلا)، و تزايد تهرب أصحاب المهن الحرة من الجباية، من ناحية أخرى.

         - تباطؤ موارد للدولة المتأتية من "تحويلات المؤسسات العمومية".

تعود هذه الظاهرة بالأساس إلى الصعوبات المالية الحادة التي أصبحت تشكو منها بعض المؤسسات الاقتصادية العمومية، من ناحية، و إلى خصخصة مؤسسات عمومية رابحة، من ناحية أخرى.
      
2 – تدرج بعض نفقات الدولة نحو التصاعد بنسق سريع

مسَ هذا التصاعد السريع بالخصوص "نفقات الأجور" و "نفقات التعويض" و "نفقات تسديد الدين العمومي"

2.1 - التصاعد السريع في "نفقات الأجور"

ويعود هذا التصاعد السريع في حجم أجور موظفي الدولة لا فقط إلى التحيين المستمر لهاته الأجور و إلى الترقيات الآلية لمعظم الموظفين، و إنما أيضا و خاصة إلى الانتدابات الإضافية المهمة التي ما انفكت تلجأ إليها الدولة خصوصا في ميدان التعليم .  من ذلك أن الدولة كرّست جلَ حجم الأجور الإضافي الذي امتصته الوظيفة العمومية خلال العشرية 1997-2006 إلى ميدان التعليم و التكوين (50%)، و بدرجة أقل بكثير إلى ميادين الصحة (13%)، و الأمن(8%) و الدفاع (7% ). و يعني ذلك أن التضخم الفادح الذي شهدته نفقات الدولة في الأجور نتج بالأساس عن جمهرة التعليم خصوصا في الثانوي و العالي. 








توزيع الأجور الإضافية التي حصُلت بين 1996 و 2006 حسب أهم الوزارات

حجم الأجور الإضافية
(بملايين الدنانير)
نسبة الأجور الإضافية
(%)
وزارة التربية
1 140
38.8%
وزارة الصحة
396
13.5%
وزارة التعليم العالي
324
11.0%
وزارة الداخلية
247
8.4%
وزارة الدفاع
197
6.7%
الوزارات الأخرى
634
21.6%



المجموع
2 938
100%
المصدر : "المالية العمومية" نشر وزارة المالية

 
2.2 - التصاعد السريع في "نفقات التعويض"

شهدت نفقات الدولة المُسخرة للتعويض تضخما مهولا خصوصا في الثلاثة سنوات الماضية. و قد مسَ هذا التضخم بشكل مخيف نفقات تعويض المحروقات (500 مليون دينار سنة 2006) و بدرجة أقل نفقات تعويض المواد الغذائية (و بالخصوص مشتقات الحبوب و الزيوت النباتية) و نفقات تعويض النقل المدرسي. و يعود هذا التصاعد السريع في نفقات الدولة المُسخّرة للتعويض إلى عدة أسباب منها :

·      الارتفاع الفاحش في أسعار بعض المواد الاستراتيجية المستوردة كالمحروقات و القمح اللين و الزيوت النباتية.
·      جمهرة التعليم خصوصا في الثانوي و العالي و ما تبعه من تصاعد في نفقات "تعويض النقل المدرسي"




تطور نفقات "صندوق التعويض" حسب المواد الأساسية
(بملايين الدنانير)

الحبوب و مشتقاتها
الزيوت النباتية
الحليب
مواد أخرى
المجموع
1986
133
24
9
52
218
1996
305
70
26
35
436
2006
240
69
7
5
321
المصدر : "التقارير السنوية للبنك المركزي التونسي"


2.3 – التصاعد السريع في نفقات الدولة المسخرة "لتسديد الدين العمومي"

في العشرية الماضية تضخمت نفقات الدولة المسخرة "لتسديد الدين العمومي" بشكل مذهل، إذ تعدت هذه النفقات من ما يقارب 2.6 مليار دينار سنة 1996 إلى 3.9 مليار دينار سنة 2006 .  و تبعا لذلك أصبحت نفقات تسديد الدين العمومي هذه تلتهم ما يقارب ثلث مجمل نفقات الدولة مقابل ربعها في أوسط الثمانينيات.

و قد نتج هذا التضخم المهول في نفقات الدولة المسخرة "لتسديد الدين العمومي" عن عدة عوامل منها بالخصوص :

·      التضخم المتزايد و المتسارع للدين العمومي، إذ قفز هذا الدين من ما يقارب 4.1 مليار دينار سنة 1986 إلى 10.6 مليار دينار سنة 1996 و 22.2 مليار دينار سنة 2006 .
·      التغير العميق الذي مسَ هيكلة الدين العمومي الخارجي، إذ أصبح يغلب عليه الدين متعدد الأطراف و الدين المتأتي من السوق المالية العالمية، وهي أنماط الديون الأكثر قسوة مقارنة بالدين ثنائي الأطراف.
·      التدهور الفادح في قيمة الدينار إزاء العملات الأجنبية التي تُسدد بها الديون الخارجية كالدولار الأمريكي و الأورو الأوروبي و الين الياباني.

و نشير هنا إلى أنه في السنين القليلة الماضية يبدو ظاهريا أن نسق تضخم تسديد الدين العمومي شهد بعض التباطؤ. غير أن هذا التدرج لم يكن نتيجة تضاؤل الدين العمومي و إنما كان نتيجة التغيرات التي حصلت في طريقة تسديد جزء من هذا الدين، ذلك أن عدة ديون لجأت إليها الدولة في السنوات الفارطة أصبحت أصولها لا تسدد بالتدرج سنويا و إنما دفعة واحدة بعد عدة سنوات،  أي مع تاريخ انقراض هذه الديون.


تطور التداين العمومي
(بملايين الدنانير)

التداين الداخلي
التداين الخارجي
مجمل التداين

الموارد
 تسديد الدين
نسبة
تسديد الدين بالموارد
الموارد
 تسديد الدين
نسبة
تسديد الدين بالموارد
الموارد
 تسديد الدين
نسبة
تسديد الدين بالموارد
1986
278
137
203%
494
259
191%
772
396
195%
1996
1 658
1 720
96%
1 092
916
119%
2 750
2 636
104%
2006
1 446
1 565
92%
782
2 370
33%
2 228
3 935
57%
المصدر : "المالية العمومية" نشر وزارة المالية

3- طرق الدولة في مواجهة استفحال الخلل على مستوى المالية العمومية


للحد من استفحال الخلل على مستوى المالية العمومية جنحت الدولة إلى أربعة وسائل أساسية وهي :

·      خصخصة عدد هام من المؤسسات الاقتصادية العمومية، ذلك أن الدولة سارعت منذ سنة 1998 إلى التفويت في منشآت عمومية هامة مثل معامل الإسمنت و البنوك و جزء من رأس مال تونس للمواصلات. غير أن الموارد التي وفرتها الخصخصة لميزانية الدولة لم تكن منتظمة و هامة بالقدر الذي كان يُنتظر، إذ لم تبلغ هذه الموارد طيلة الفترة     1996-2006 إلا ما يقارب 1 703 مليون دينار أي ما يعادل 2.1% فقط من مجمل موارد الدولة الذاتية. و لربما يعود ذلك إلى الأسعار المتواضعة التي فوّتت بها الدولة بعض المؤسسات العمومية أو إلى تكريس جزء من موارد الخصخصة إلى أغراض أخرى كتطهر المؤسسات العمومية المتبقية قبل التفويت فيها أو التسديد المُسبق لبعض الديون العمومية المُكلفة أو تشييد الطرقات السيارة.
·      تشديد الضغط الجبائي على المستهلك و ذلك بالرفع في نسب الآداءات الغير مباشرة، من ناحية،  وتوسيع قاعدة اقتطاع الآداءات الغير مباشرة، من ناحية أخرى. و قد مسَ تصاعد هذا الضغط الجبائي جلً المواد و الخدمات الاستهلاكية و بالخصوص الخدمات الاستراتيجية كالماء والكهرباء والمواصلات، إذ وُظف على هذا النمط من الخدمات أداء فاحش على القيمة المضافة يعادل 18% بعد ما كان هذا الأداء لا يفوق 5% في أواخر الثمانينيات.
·      اللجوء المتزايد للتداين و هي أهم وسيلة جنحت إليها الدولة للحد من استفحال الخلل على مستوى المالية العمومية و لو ظرفيا. و في هذا السياق أُجبرت الدولة على الالتجاء أكثر فأكثر لا فقط للقروض التقليدية طويلة المدى و ضعيفة سعر الفائدة و إنما أيضا للقروض  قصيرة و متوسطة المدى و باهضة سعر الفائدة، أي للقروض عقيمة المردودية الاقتصادية، ذلك أن هذا النمط من القروض لا يُسخر لتنمية ثروة البلاد و إنما لمواجهة نقص مُلح في السيولة المالية. و يعني ذلك أن هذا الالتجاء المتزايد من طرف الدولة لشتى أنواع القروض ساهم لا محالة ظرفيا في ستر الخلل على مستوى المالية العمومية غير أن هذا التداين المتزايد للدولة يحمل في طياته أخطارا جسيمة للبلاد و العباد و خصوصا للأجيال المقبلة.

4 – أهم الأخطار و التحديات المستقبلية التي يمكن أن تفرزها المالية العمومية

إن استمر في العقود المقبلة تدرج المالية العمومية على حاله فإنه يخشى أن تواجه البلاد تحديات جمَة خطيرة للغاية. و من جملة هذه التحديات نذكر بالخصوص :

4.1 – فقدان الدولة تدريجيا دورها التعديلي من الزاوية الاقتصادية

 و يحصل ذلك لا فقط عندما تفرّط الدولة في جزء هام من المنشآت الاقتصادية العمومية و لكن أيضا وخاصة عندما تصبح الدولة عاجزة عن إنجاز المشاريع الاقتصادية الاستراتيجية الاضافية (طرقات، مواني، مطارات، مولدات الكهرباء، معامل تكرير النفط،...) بإمكانيتها الذاتية في الوقت المناسب والمكان المناسب. و قد ظهرت بعد للعيان بوادر هذا العجز بلجوء الدولة منذ بعض السنوات لطريقة "اللزمة" لإنجاز مشاريع اقتصادية هامة للغاية كالمحول الكهربائي "رادس 2" و معمل تكرير النفط بالًصخيرة ومطار النفيضة وغيرها.

4.2 – فقدان الدولة تدريجيا دورها التعديلي من الزاوية الاجتماعية

 و يحصل ذلك عندما تعرُض الدولة جزئيا أو بالكامل عن التعديل بين الفئات الاجتماعية ( تعويض، منح، هبات، قروض منفَلة، إعفاءات جبائية، و غيرها) أو التعديل بين الجهات (برامج تنمية ريفية أو جهوية، إعفاءات جبائية) أو التعديل بين الأجيال. و قد بدأت بوادر تخلي الدولة عن دورها التعديلي من الزاوية الاجتماعية تظهر للعيان عندما أُجبرت صناديق الضمان الاجتماعي على التكفل بمهام ليست من مشمولاتها (قروض للطلبة، مساهمات في برنامج العائلات المعوزة،...) أو عندما كُبَلت الأجيال المقبلة بديون ثقيلة مرهقة.

4.3 – سلعنة الخدمات العمومية الأساسية

يمكن لهذه السلعنة أن تمسَ عدة خدمات عمومية كالماء و الكهرباء و كالتعليم و الصحة والنقل والمواصلات  وغيرها. و سوف تساهم هذه الظاهرة في تفقير جلّ الفئات الاجتماعية و خاصة الفئات الوسطى منها.

4.4– إرهاق كاهل الشعب بعبء جبائي لا يطاق

و يحدث ذلك بتصعيد ضغط الأداء المباشر على دخل الأجراء أو بإرساء أداءات غير مباشرة مُشطة وخانقة على استهلاك الأسر. و قد بانت بعد بوادر هذا الضغط الجبائي حيث تضاعفت في بضع سنوات نسبة خصم الدولة من الأجور، إذ تعدت هذه النسبة من 6% سنة 1996 إلى   12% حاليا. و بالتوازي أُخضعت جلّ المواد و الخدمات الاستهلاكية و خصوصا المواد و الخدمات الحياتية منها كالماء والكهرباء و النقل و المواصلات إلى عبء جبائي خانق. و سوف يساهم هذا العبء الجبائي المتصاعد في تهرئة الطبقة الوسطى أي في كسر العمود الفقري للمجتمع.


4.5– انزلاق البلاد في حلقة مفرغة من التداين يصعب الخروج منها

 و يحدث ذلك عند ما تصبح الدولة تقترض لا للبناء و التشييد و التثمير و إنما لتسديد ديونها السابقة، علما و أن بوادر هذا الانزلاق بدأت بعد في البروز للعيان، ذلك أن القروض الإضافية التي تحصلت عليها الدولة في العقد الماضي  1996-2006  لم تساعد على تغطية إلا ما يقارب 88% فقط من تسديد الدين العمومي، أما في سنة 2006 فإن هذه النسبة لم تتعدّ 57%

4.6– انزلاق الدولة في متاهات أمنية

و إن حدث ذلك فإنه يخشى أن يكون على حساب مهامها الاجتماعية الحياتية كالصحة و التعليم و النقل، و يصبح هذا الانزلاق أكثر احتدادا عندما تفقد الدولة أهم المقومات التي تستمد منها الشرعية أي دورها التعديلي، أو عندما يصير المجتمع مفرطا في الازدواجية قوامه أقلية ضئيلة تمتلك كل شيء، من ناحية، و جماهير عريضة تفتقد لكل شيء، من ناحية أخرى./.


حسين الديماسي
مارس 2008
  
رابط للتحميل:

 2-https://skydrive.live.com/redir.aspx?resid=B210C046C1CAC62A!705