2012/06/05

واقع المنشآت والشركات العمومية


واقع المنشآت والشركات العمومية

بقلم الأستاذ: عبد الجليل البدوي

رغم ما تعرفه الخوصصة من نسق سريع منذ أواخر التسعينات وما نتج عنها من تقلّص حجم القطاع العمومي فإن هذا القطاع بفضل تنوّعه وتشعّبه بقي يتميّز بأهمية دوره وتأثيره في الواقع الاقتصادي والاجتماعي. كما أن هاته الأهمية وهذا الدور ما فتئ يتأكد في ظل عجز القطاع الخاص على النهوض بالاستثمار وتنويع النسيج الاقتصادي وتحسين المحتوى التقني للصادرات وذلك رغم الدعم والامتيازات والإعفاءات الجبائية العديدة التي يحظى بها القطاع الخاص.
وفي هاته الوثيقة سنحاول في الجزء الأول التعرض لأهم الخصوصيات التي تميّز واقع المنشآت والشركات العمومية أما الجزء الثاني سيتناول تطور مساهمة القطاع العمومي في تدعيم موارد الميزانية العمومية ودور الدولة في القيام بمهامها التعديلية. وفي الجزء الثالث والأخير سنتعرّض إلى واقع الأجور ومطالب القطاع العمومي مقارنة مع القطاعات الأخرى.

1)خصوصيات المنشآت والشركات العمومية:
  يتكوّن قطاع المنشآت والشركات العمومية من المؤسسات الوارد ذكرها بالأمر عدد 910 لسنة 2005 والذي يتعلّق بتعيين سلطة الإشراف على المنشآت والمؤسسات العمومية التي لا تكتسي صبغة إدارية. وإذا استثنينا المؤسسات الاستشفائية والمالية فإن عدد المنشآت والمؤسسات يصل إلى 171 وحدة. ورغم تقلّص حجم القطاع العمومي بحكم تصاعد وتيرة الخوصصة منذ أواخر التسعينات  [1]  إلا أن هذا القطاع يبقى يتميّز على بقية القطاعات الأخرى بتنوعه القطاعي والتنظيمي، وكثافته العمالية وارتفاع نسبة تأطيره المهني والنقابي والضعف النسبي لأنماط التشغيل الهشة داخله:

أ‌-     القطاع العمومي وتنوّعه القطاعي والتنظيمي:
يتكوّن القطاع العمومي من عديد المنشآت التي تنتمي إلى قطاعات إنتاج مختلفة ومتنوعة وإلى أنشطة متعددة الاختصاصات والمهام:

-       المنشآت التي تنتمي إلى القطاع الفلاحي كديوان الأراضي الدولية، كشركة اللحوم، كديوان تربية الماشية وتوفير المرعى إلخ... إلى جانب المنشآت المنتجة نجد عديد المنشآت المهتمة بقطاع الخدمات كالتعاضديات المركزية للقمح، للبذور، للزراعات الكبرى إلخ... أو وكالة النهوض بالاستثمارات الفلاحية.
-       المنشآت التي تنتمي لقطاع المناجم كشركة فسفاط قفصة وشركة جبل الجريصة أو الديوان الوطني للمناجم.
-       المنشآت التي تنتمي للقطاع الصناعي ومن أهمها الصناعات التقليدية، الإسمنت ببنزرت وأم خليل، السكر بباجة، الصناعات الصيدلية، المجمع الكيميائي، عجين الحلفاء، العجلات المطاطية، تكرير النفط، صناعة السيارات، صناعة الحديد والفولاذ، التبغ والوقيد.
-       المنشآت التي تنتمي لقطاع الخدمات: الإذاعة والتلفزة، البريد، الإعلام والتكوين والتوثيق والدراسات، الاتصالات، الانترنات، التكوين المهني، الوكالة التونسية للتشغيل، النقل الجوي وعن طريق السكك الحديدية وعن طريق البر إلخ... [2]
-       بجانب تنوع أنشطة المنشآت والمؤسسات العمومية تجدر الإشارة إلى تعدد الأصناف التنظيمية لهاته المؤسسات، دواوين، شركات، تعاضديات، مراكز، صناديق، وكالات، اتحادات مثل الاتحاد التونسي للتضامن، مخابر مثل المخبر المركزي للتحاليل والتجارب، أقطاب مثل القطب التكنولوجي الغزالة للاتصال وهذا التنوع التنظيمي  ساهم في وجود قرابة 101 منشأة عمومية غير مصادقة على التنظيم الإداري والمالي وأساليب التسيير الخاص بها بأمر مقابل 70 منشأة تمت المصادقة على التنظيم الاداري والمالي واساليب التسيير الخاص بها بأمر. كما أن هناك ولنفس الأسباب 100 منشأة غير مصادقة على الهيكل التنظيمي الخاص بها بأمر مقابل 71 تم المصادقة على الهيكل التنظيمي الخاص بها بأمر. كما انه لا يوجد في القطاع العمومي إلا 55 مؤسسة مصادقة على إسناد الخطط الوظيفية وشروط الإعفاء منها الخاص بها بأمر مقابل 116 منشأة ومؤسسة لا تحظى بذلك.
بجانب تنوع الأنشطة وتعدّد الأصناف التنظيمية تجدر الملاحظة إلى تشعّب واقع القطاع العام وصعوبة ضبط حجمه الحقيقي وذلك لأن عديد المنشآت والمؤسسات العمومية لها مساهمات عديدة في كثير من المؤسسات المصنفة ضمن القطاع الخاص.

ب‌- القطاع العمومية والكثافة العمالية:
يتميز القطاع العمومي بكثفافة عمالية عالية، ومن أهم المنشآت والمؤسسات العمومية ذات الكثافة العالية نجد :
ـ الشركة التونسية للكهرباء والغاز STEG  التي تشغل 9485 عون قار و1000 عون في إطار المناولة.
ـ الديوان الوطني للبريد يشغل 8677 قار و 932 في إطار المناولة.
ـ الشركة الوطنية للاتصالات التي تشغل 7805 قار.
ـ الديوان الوطني للتطهير يشغل 5200.
ـ شركة فسفاط قفصة تشغل 5219 قار و1873 في إطار المناولة.
ـ الشركة الوطنية للسكك الحديدية SNCFT تشغل 4825 قار و50 في إطار المناولة الخ....
علما أن هاته الكثافة تتواجد مع شركات ذات أحجام متنوعة منها من يشغل بين 1500 و2000 عون كمؤسسة الإذاعة والتلفزة، ديوان الأراضي الدولية وديوان البحرية التجارية والمواني، ومنها من يشغل بين 200 و1000 عون كالشركة التونسية للشحن والديوان الوطني للصناعات التقليدية والشركة التونسية لصناعة السيارات وشركة اسمنت بنزرت الخ.... كما أن هناك منشآت عمومية ذات كثافة عمالية ضعيفة جدّا كديوان المساكن العسكرية الذي يشغل 12 عون قار و52 متعاقدين والشركة التونسية للتنمية الرياضية التي تشغل 30 عون والمركز الوطني للدراسات الفلاحية المشغل لـ48 عون الخ....
ج - القطاع العمومي وارتفاع نسبة التأطير النقابي:
قد ساعدت الكثافة العمالية بالقطاع العمومي على تواجد نقابي مرتفع نسبيا خاصة بالمقارنة مع التواجد النقابي بالقطاع الخاص والملاحظ أن أعلى نسبة انخراط نقابي على مستوى القطاع توجد بقطاع المناجم بنسبة 95.8% يليه قطاع المعادن والإلكترونيك 95.53% ثم قطاع البناء والأخشاب 91.12%  الخ....أما على مستوى المؤسسة فإن أعلى نسبة انخراط توجد بشركة جبل الجريصة وتبلغ 100% كما تبلغ 100%  بالتعاضدية المركزية للقمح. علما وأنه حسب المعطيات المتوفرة لدى القسم المكلف بالقطاع العام فإن أدنى نسبة انخراط على المستوى القطاعي وقع تسجيلها بقطاع المعاش والسياحة 33.67%  وعلى مستوى المؤسسة بالديوان الوطني للسياحة 22.34% .
عموما ورغم الفوارق المسجلة بين القطاعات والمؤسسات على مستوى نسبة الانخراط النقابي فإننا نلاحظ أن من مجمل 171 مؤسسة ومنشأة عمومية هنالك 134 وقع هيكلتها نقابيا أي أن نسبة الهيكلة النقابية تبلغ 78.4%  بالقطاع العام.
د- القطاع العمومي : نسبة تأطير هامة ونسب عمل غير قار ضعيفة:
يتميّز القطاع العمومي بوجود نسبة تأطير عالية نسبيا مقارنة مع الواقع السائد بالقطاع الخاص. وهذا الوضع يفسر بعديد الأسباب من أهمها:
        ـ أن الوظيفة العمومية ومؤسسات القطاع العام كانوا دائما والى حدود التسعينات يمثلون أول مشغل لحاملي الشهادات. ومنذ سنوات تقلصت هاته الظاهرة بالقطاع العمومي بعد أن انسحبت الدولة من عديد الأنشطة التي تهم بالأساس الإنتاج والتوزيع ولجأت إلى الخوصصة بنسق مرتفع منذ أواخر التسعينات.
ـ كما يتميّز القطاع العمومي بوجود عديد المؤسسات المتطورة تقنيا والمتطلبة لتشغيل عديد المهارات والخبرات والكفاءات كالمعهد الوطني للإحصاء، الوكالة الوطنية للمصادقة الالكترونية، معهد المواصفات والملكية الصناعية، معهد باش حانبة للاقتصاد الكمي، المركز الوطني للإعلامية، مركز تكنولوجيا البيئة، الصيدلية المركزية، الشركة التونسية للصناعات الصيدلية، المجمع الكيميائي التونسي، الوكالة الوطنية للطاقات المتجددة، شركة البحث عن النفط واستغلاله، المركز الوطني للعلوم والتكنولوجيا النووية، الشركة التونسية للكهرباء والغاز، شركة الخطوط التونسية الخ....
بجانب المستوى العالي نسبيا للتأطير نلاحظ أن اللجوء إلى المناولة لم يبلغ نسبا مرتفعة مقارنة مع القطاع الخاص، ذلك أنه انطلاقا من 87 منشأة ومؤسسة عمومية تشغل 72594 عاملا هناك ما يقارب 66738 عون قار مقابل 5856 عون يشتغلون في إطار المناولة ويتعاطون أنشطة متنوعة منها أعمال إدارية وأخرى فنية بجانب الحراسة والتنظيف وصيانة المناطق الخضراء، والنقل والشحن والسياقة وصيانة المعدات الخ... علما أن الأعوان المشتغلون في إطار ديوان البحرية التجارية والمواني ومنهم من هم غير منصوص عليهم في جدول تصنيف الخطط وهم يمثلون الأغلبية الساحقة.
وفي كل الأحوال وبالمقارنة مع القطاع الخاص فإن نسبة المشتغلين في المؤسسات العمومية في إطار المناولة لا تمثل إلا ما يقارب 8%  من مجموع الأعوان.
2- مساهمة المنشآت والشركات العمومية في تدعيم الموارد العمومية:
بجانب الموارد الجبائية تتحصل الدولة على موارد ذاتية غير جبائية متأتية من مصادر مختلفة بعلاقة مباشرة أو غير مباشرة بالقطاع العمومي بجميع مكوناته بما فيها المؤسسات الإستشفائية والمالية. وهاته الموارد تخص :
ـ المداخيل البترولية
ـ مداخيل أنبوب الغاز الجزائري العابر للتراب التونسي.
ـ المداخيل المتأتية من الشركات العمومية ذات الصبغة الصناعية والتجارية.
ـ المداخيل المتأتية من مساهمات الدولة في شركات خاصة أو شبه عمومية.
ـ مرابيح حاصلة من طرف البنك المركزي.
ـ مساهمات صناديق الضمان الاجتماعي.
ـ وأخيرا مداخيل متأتية من خوصصة المؤسسات العمومية.

وبالرجوع إلى الجدول 1 نلاحظ أن الموارد الغير جبائية (بدون اعتبار الإعانات المتأتية من الاتحاد الأوروبي بالأساس) عرفت تطورا مستمرا يعكس التأهيل الحاصل لعديد المنشآت والمؤسسات العمومية، كما يعكس زيادات الأسعار الداخلية والخارجية (البترول، الغاز، الفسفاط...) بعديد المنتوجات والخدمات العمومية. كما يبين نفس الجدول أن هاته الموارد تشهد ارتفاعا ملحوظا كلما ارتفع عدد المؤسسات التي يقع خوصصتها.
وللتأكيد على أهمية مساهمة المنشآت والمؤسسات العمومية في الموارد العمومية وتنوع مصادر هاته المساهمة يمكن الملاحظة أن مساهمة المؤسسات العمومية قد بلغت سنة 2003 على سبيل المثال 403 مليون دينار منها 155 متأتية من الديوان الوطني للاتصالات (مقابل 235 سنة 2002) ومنها 90 مليون دينار متأتية من المنشآت ذات المساهمات العمومية وتنقسم إلى 40 مليون دينار متأتية من البنوك و50 مليون دينار من المجمع الكيميائي (مقابل 142 سنة 2002) ومنها 120 مليون دينار متأتية من مرابيح البنك المركزي (مقابل 235 سنة 2002).
وبالرجوع إلى استمرار مساهمة المنشآت والمؤسسات العمومية في تدعيم الموارد العمومية واستقرار هاته المساهمة في مستويات محترمة نسبيا فإن السؤال الذي يطرح نفسه بحدة هو معرفة مدى جدوى خوصصة مؤسسات ناجعة ومفيدة للمجموعة الوطنية.
        علما أن كل هاته الموارد الغير جبائية قد ساهمت في تدعيم الماليّة العمومية وتحسين وضع الميزان الاقتصادي وتقليص نسبة المديونية العمومية من الناتج المحلي الخام كما يبرز ذلك من خلال الجدول 2. وبالمقارنة مع البلدان المصنعة فإن نسبة المديونية العمومية من الناتج المحلي التونسي أصبحت تمثل 51.6%  سنة 2007 مقابل 62% سنة 2001. علما أن هاته النسبة تصل 69% في مجمل البلدان المنخرطة في اليورو و % 107 بايطاليا و159% باليابان سنة 2006. وهاته المقارنة تدل أن وضع المديونية العمومية بتونس يعطي المؤسسة العمومية والميزانية العمومية هامشا كبيرا نسبيا من التصرف لدفع الدورة الاقتصادية عبر تدعيم الطلب الداخلي من باب الاستثمار والاستهلاك العمومي والخاص خاصة في ظل تراجع النمو العالمي للإنتاج ولآفاق الصادرات التونسية بالنسبة لسنة 2008 على الأقل.

3 ـ وضع الأجور بالمنشآت والمؤسسات العمومية:
بالرجوع إلى الجدول 3 و4 يمكن الإشارة إلى الملاحظات التاليّة :
        ـ مقارنة مع الوظيفة العمومية والقطاع الخاص فإن مستوى الأجور بالقطاع العام يحتل المرتبة الأولى ويمثل 2.3 مرة مستوى الأجر السنوي المتوسط لكامل الاقتصاد و3.2 مرة مستوى الاجر السنوي المتوسط بالقطاع الخاص و1.3 مرة مستوى الأجر السنوي المتوسط بالوظيفة العمومية.
        ـ مقارنة مع الأجر الأدنى (نظام 48 ساعة عمل في الأسبوع) يمثل الأجر السنوي المتوسط بالقطاع العمومي ما يقارب 6 مرات هذا الأجر.
        ـ هاته الفوارق في الأجور بين مختلف القطاعات هي نتيجة ما يتميز به القطاع العمومي من نسب تأطير عالية ومن حضور نقابي مرتفع ومن احترام القانون والاتفاقيات الاجتماعية المبرمة.
        ـ رغم الفوارق القطاعية على مستوى الأجور الخام نلاحظ نفس الاتجاه نحو تراجع نسبة نمو الأجر الجاري والقدرة الشرائية ابتداء من 2004 وذلك في كل القطاعات بدون استثناء ورغم ما يتميّز به القطاع العمومي من هيكلة نقابية ونسب انخراط عالية.










 وبحكم المراجعات التي طرأت على التعريف بما هو مؤسسات عمومية.[1]
 [2] للحصول على القائمة الاسمية الكاملة (171) لكل مؤسسات القطاع العام انظر الوثيقة الصادرة عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية بالاتحاد العام التونسي للشغل الصادرة بمناسبة الإعداد للمفاوضات الاجتماعية (2008-2010) – تونس في 17 جانفي 2008.

رابط للتحميل:

2- https://skydrive.live.com/redir.aspx?resid=B210C046C1CAC62A!702