2013/06/20

كلمة الأخ حسين العباسي الأمين العام للاتحاد في المؤتمر الوطني لمناهضة العنف والإرهاب

كلمة الأخ حسين العباسي الأمين العام للاتحاد في المؤتمر الوطني لمناهضة العنف والإرهاب

أصالة عن نفسي ونيابة عن إخوتي في المكتب التنفيذي الوطني ومناضلات ومناضلي الاتحاد العام التونسي للشغل، أحيّيكم وأشدّ على أياديكم  في هذه المناسبة المشهودة التي تنظّم تحت شعار “يد واحدة ضدّ العنف والإرهاب”.
لقد كدنا نفقد الأمل في ذكاء التونسي وفي توقه إلى التغيير وفي عقلانيته التي استطاعت دائما التأقلم مع المسارات الانتقالية بأقلّ كلفة. بسبب هذا التنافر في المواقف والرؤى الذي بلغ حدّ التأزّم وانسداد الأفق لكن هبّتكم اليوم جاءت لتؤكّد على الطبيعة الخلاقة للقلق الذي سرعان ما عاد ليسكن كلّ واحد منّا، إنّه قلق المولع بالحريّة… قلق إيجابي من نوع آخر… قلق نصير للتنوّع ولحقّ الاختلاف ولمبدأي الحوار والتوافق…
ولا شكّ أنّ هذا النوع من القلق سوف يُفْضي إلى بارقة أمل في عودة الوعي لدينا بأهميّة التضامن والتعاون والتعايش انتصارا للمصلحة العليا لتونس ولشعب تونس. فهنيئا لنا جميعا بهذا التقارب وبهذا المدّ التضامني من أجل مواجهة موحدة ضدّ العنف والإرهاب بجميع أشكاله وتمظهراته… وشكرا لجميع من ساهم في تنظيم هذا المؤتمر وفي إعداد وثائقه ولمن سيباشر تنشيط أشغاله. وأملنا كلّ أملنا أن نتوفّق إلى حلول وأجوبة عملية تخرج بنا من منطق الخطاب الاستهلاكي والنوايا الحسنة إلى المباشرة الجماعية والعملية لمعالجة هذه الظاهرة التي باتت تهدّد ما راكمناه على مرّ السنين من مقوّمات حضارية ومدنيّة، وتنذر بالانقلاب على الأهداف الحقيقية لثورتنا المجيدة.
السيدات والسادة،
إنّنا اليوم على وعي تامّ بما يتهدّد الوطن من مخاطر فاقمت في هشاشة الوضع الانتقالي، فقواعد اللعبة السياسية أصبحت فيه خاضعة أو تكاد لمنطق القوّة بدلا عن قوّة المنطق لتفسح المجال أمام التطرّف والانفلات الأمني والسلوكي، والأمن فيه بات معرّضا في كلّ لحظة إلى الانتهاك من جماعات مارقة على القانون تحرّكها إمّا مصالح شخصيّة أو فئويّة ضيّقة أو أجندات إقليمية ودولية مناهضة للمشروع الديمقراطي والحداثي الذي بشّرت به ثورتنا، والفوضى سائرة فيه إلى زعزعة أركان الدولة بسبب استشراء الإقتصاد الموازي وضعف التعامل مع عصابات التهريب التي توسّع مجال نشاطها ليشمل المخدّرات والسلاح، وأصبح فيه العديد من شبابنا الذين انتفضوا لكرامتهم وحقّهم في التنمية وفي العيش الكريم والعدالة الاجتماعية وأطلقوا في وجه ديكتاتوريّة بن علي ونظامه الفاسد شعار “Dégage”، أصبحوا مدفوعين إمّا لِشَدِّ الرحال على قوارب الموت إلى ما وراء البحار، وإمّا الاستسلام لتجّار الموت والقبول بتجنيدهم للقتال في سوريا أو مالي بل داخل وطنهم تعبيرا منهم عن الاحباط الذي انتابهم وعن اليأس الذي بلغوه بعد أن فقدوا الثقة في تغيير أحوالهم، وما انفكّت فيه المؤشّرات تتراجع إلى حدّ أضعف إقتصادنا وقدرتنا على إدارة شأن البلاد، الكثير من المصداقية.
هكذا أصبحت استعادة الثقة بين المواطن ومختلف مكونات أجهزة الدولة والنخب السياسية من بين المعضلات التي تواجه عملية الإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي في بلادنا.
إنّ المرحلة لم تعد تتحمّل الغموض والتردّد وأنصاف المواقف، وإذا كان الإيمان بمدنيّة الدولة وديمقراطيتها قد نضج لدينا، فعلينا أن نوضّح ذلك بما لا يدع مجالا للشكّ أو للتأويل. إنّنا اليوم في أشدّ الحاجة إلى عودة الوعي والتخلّي نهائيّا عن تقسيم التونسيين إلى مسلمين وعلمانيين وإلى مؤمنين وغير مؤمنين.
إنّ العنف السياسي والإرهاب لا يمكن لهما أن يستشريا في أي مجتمع إلاّ إذا توفّر مناخ من التواطؤ والتغاضي والتقليل من حجمهما، ومحاولة إيجاد الذرائع التبريريّة لهما. فهذه الظواهر الغريبة عن مجتمعنا لم يكن لها لتتفاقم لو عولجت في الإبّان، فابتداءا باغتيال المرحوم لطفي نقض، مرورا بأوّل حادثة اغتيال سياسي بامتياز للشهيد شكري بلعيد، وصولا إلى أحداث الشعانبي والتي راح ضحيّتها أبطالنا من قوّات الجيش والأمن شكّلت كلّها إشارات حمراء للمنعرج الخطير الذي انزلق إليه المجتمع، وأضحى التأسيس لديمقراطيّة فعليّة محلّ شكّ، وحيرة.
إنّ العنف والإرهاب، لن يكونا بديلا عن التنافس السلمي، ولا عن الحقّ في الاختلاف ولا عن الحقّ في التعبير عن الرأي، وما اللجوء إليهما لإخماد الصوت المخالف، وفرض الرأي الأوحد بالقوّة، إلاّ تعبير عن إفلاس الخطاب، وفشل لقوّة المنطق.
وإذا سلّمنا بأنّ من واجب الدولة أن لا تفشل في مقاومة من لا يعترف بالقانون ومن يستبيح الذات البشرية تحت أيّ غطاء كان، فإنّ على الدولة أن تجتنب نزعة الانقلاب على الحقوق والحريات بدعوى تطبيق القانون والحرب على الإرهاب. فحريّة الضمير والمعتقد والتعبير والإعلام وتنظيم الملتقيات والتظاهر السلمي والاعتصام السلمي جزء من الحقوق التي انتفض شعبنا من أجل أن يكفلها القانون للجميع.
إنّ رفع السلاح والتحريض على القتل لا يمكن تسويتهما بأي حال من الأحوال بممارسة الحقوق والحريّات ومنها حقّ الإضراب وحقّ الاحتجاج السلمي.
السيدات والسادة،
إنّ أيّ خطوة إيجابية تقطع على درب الانتقال الديمقراطي سيكون لها الأثر المباشر على تغيير موقف الناس حيال هذا المسار، وسيزرع الثقة في نفوسهم، وسيحفّزهم، بالنتيجة، على التعاطي التلقائي والكثيف مع الشأن العام. ففي تجارب دولية مقارنة أثبتت معطيات الواقع كيف خلق التوافق على مستوى الدستور، والحوار من أجل بناء مؤسّسات دستوريّة على قاعدة الشفافية والنزاهة واحترام إرادة المواطنين، مناخا سياسيا أذكى جذوة الثقة، وحرّض الناس على التفاعل التلقائي مع ديناميكيات الانتقال وفي صدارتها التصويت على الدستور والمشاركة في الانتخابات التي تليه.
لقد حان الوقت لكي تلملم تونس الثورة جراحها، ولن تتمكّن من ذلك إلاّ بالقضاء على العنف ومقاومة الإرهاب، والاتجاه نحو بناء مستقبل أفضل واقتناعا بأنّ مقاومة هذه الظواهر هي جهد مشترك، فإنّنا ندعو جميع الأطراف إلى ترجمة المبادئ المعلنة في ميثاق هذا المؤتمر إلى نشاطات ومقترحات قابلة للتنفيذ، وإيجاد آليات عملية نلتزم جميعا بالعمل على تفعيلها. كما نجدّد تمسّكنا بوضع النصوص الترتيبيّة لاعتماد يوم 6 فيفري كيوم وطني لمناهضة العنف والإرهاب، وتأكيدنا على الاسراع في الكشف عن ملابسات مختلف جرائم الاغتيال السياسي ومحاسبة مرتكبيها ومن أمر بها وأعدّ لها علاوة على التعجيل بالكشف عن نتائج التحقيق المتعلّق بالاعتداءات المتكرّرة على مقرات الاتحاد وعلى المعالم الثقافية وعلى اجتماعات الأحزاب والجمعيات.
لنكن صفّا واحدا ضدّ العنف والإرهاب وليكن عزمنا حازما وحاسما في مقاومته