2012/12/04

بيان الذكرى الستين لاغتيال الزعيم النقابي والوطني فرحات حشاد


بيان الذكرى الستين لاغتيال الزعيم النقابي والوطني فرحات حشاد




يحيي الشغالون اليوم الذكرى الستين لاغتيال الزعيم النقابي والوطني فرحات حشاد وفاء لروحه الطاهرة ولتضحياته الجسام ولغزارة عطائه من التحرير الوطني والانعتاق الاجتماعي.
ففي مثل هذا اليوم 5 ديسمبر 1952، امتدت يد الغدر الاستعماري إلى مؤسس الاتحاد العام التونسي للشغل، القائد النقابي الفذ والزعيم الوطني ذو الروح النابضة بحب هذا الشعب، لتضيفه إلى قائمة الشهداء.
لقد أدركت قوى الاستعمار، من خلال معاينتها لمواقف حشاد الثابتة وصلابة شخصيته وقوة اشعاعه وسعة علاقاته في الداخل والخارج وقدرته على التأثير والتعبئة، أنه خصم عنيد لا يساوم فأقدمت على اغتياله للتخلّص منه.
لقد غاب على فرنسا الاستعمارية أن هذه الفعلة النكراء والعمل الجبان سيكون لها وقع الزيت على الفتيل إذ زاد الحسّ الوطني تأجّجا ليأخذ منحى الكفاح المسلح وليحشد التأييد والتضامن مع القضية الوطنية على صعيد المغرب العربي وفي مختلف أصقاع العالم.
لقد غاب على فرنسا الاستعمارية أن البيت الذي رعاه حشاد وتربى فيه أثمر مناضلين أوفياء ساروا على دربه وحملوا المشعل من بعده فكانوا أحسن خلف لأحسن سلف واستطاعوا أن يجعلوا من الاتحاد قبل الاستقلال وأثناء مرحلة بناء الدولة الحديثة، رقما له مكانته في المعادلة السياسية وفي تأمين التوازن الاجتماعي.
 أيها الشغالون،
نحيي اليوم ذكرى اغتيال الزعيم الشهيد فرحات حشاد ولم يمض على ثورة الكرامة والحرية التي فجرها الشعب التونسي أكثر من سنتين أظهر خلالها الاتحاد العام التونسي للشغل أنه جدير بالانتساب إلى حشاد العظيم.
لقد مثلت خيارات منظمتكم ونهجها النضالي وسعيها الدؤوب على النهوض بأوضاع الشغالين والمحرومين وانحيازها إلى قيم الحرية والديمقراطية والمناضلين من أجل استقلالية قرارهم وحقهم في التحول من صفة الرعية إلى صفة المواطن الحرّ والمسؤول، عوامل أهلتها لاحتضان ثورة شعبنا، وقد تحولت مقرات الاتحاد محليا وجهويا ووطنيا إلى مواقع تصاغ صلبها الشعارات ومنها تنطلق المسيرات إلى غاية سقوط الطاغية وانهيار منظومة الفساد والاستبداد.
ووفاء منه لتقاليده الراسخة في إدارة التحولات وفي تسيير مسار الاصلاح فقد ساهم بنجاح بشكل نشيط في وضع آليات الإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي التي أفضت إلى أول انتخابات حرّة وشفافة أفرزت مجلسا تأسيسيا عهدت له مهمة إعداد دستور جديد للبلاد تمهيدا للمحطات التأسيسية القادمة.
أيها الشغالون،
لقد أثبت اتحادكم منذ انتخابات 23 أكتوبر 2011، أنه قوة بناءة تقف على نفس المسافة من الأحزاب والفعاليات السياسية وأن علاقتها بهذه المكونات تحكمها مصلحة تونس أولا وما يلتقي مع مصالح العمال ومع المبادئ والمرجعيات التي نشأت عليها الحركة النقابية التونسية ومن أهمها الحرية والاستقلالية والمساواة والعدالة الاجتماعية وتأكيدا لهذا التمشي.
وحرصا منه على التموقع بمسؤولية تجاه النماذج المقترحة لتسيير المجتمع وتنظيمه وتحصينا لهياكله ومناضليه ضد ما قد ينجر من انزلاقات جراءالتجاذبات السياسية والعقائدية والإيديولوجية فقد بادر الاتحاد العام التونسي للشغل بصياغة مشروع دستور ضمّنه رؤيته ومقترحاته حول الاستحقاقات الدستورية والمؤسساتية القادمة وجعل منه مرجعية للتحاور والتشاور مع مختلف المكوّنات السياسية والمدنية في البلاد على أساسه تصاغ التحالفات وتحدّد المواقف.
أيها الشغالون،
       إذ بلادنا تعيش هذه الأيام مرحلة دقيقة تتطلّب الكثير من الحكمة والتروي ورحابة الصدر. فالتجربة الديمقراطية لدينا لا تزال في بداياتها وتتطلّب الاستعداد النشأة على مختلف الأصعدة وخاصة في مجال إدارة الخلافات بين الفرقاء السياسيين وبين هؤلاء وبقية المكوّنات من مجتمع مدني ومواطنين. وحرصا منّا على تأمين المسار الديمقراطي الذي نطمح إلى إرسائه بادرنا منذ منتصف هذه السنة إلى مؤتمر حوار يجمع كل الفرقاء السياسيين الموجودين منهم في سدّة الحكم وفي المعارضة للبحث في سبل إدارة المرحلة الانتقالية بكل مسؤولية ومن المنطلق حماية المصلحة العليا للوطن. وقد نجحنا في ذلك بنسبة كبيرة تجعلنا نؤمن بأن لا خيار أمامنا سوى الحوار البناء والاستثمار المشترك للأفكار المتداولة دون إقصاء أو تهميش وأن نجعل من الآخر سبب وجودنا وسرّ نجاحنا.
       وفي هذا السياق فإنّ الاتحاد العام التونسي للشغل لا يزال متمسكا بما جاء من اقتراحات في مبادرته وخاصة ما تعلّق باستكمال صياغة الدستور وصياغة القوانين الخاصة بـ:
-       الهيئة العليا المستقلة للانتخابات.
-       الهيئة العليا المستقلة للإعلام.
-       الهيئة الوقتية المستقلة للقضاء.
   ولا يفوتنا في هذا السياق التأكيد على استقلالية هذه الهيئات بما يضمن حياديتها حتى تحقّق النجاعة المرجوة منها، وعلى احترام علوية القانون وتحييد الإدارة ضمانا لنجاح مسار الانتقال الديمقراطي.
   إنّ التقدّم في هذا الاتجاه يتطلب أيضا الانكباب بجدية على معالجة الأوضاع الاجتماعية المتردية عموما وفي المناطق الداخلية على وجه الخصوص، وعلى اطلاق سراح كافة المعتقلين بسبب الاحتجاجات الاجتماعية وإيقاف التتبّعات القضائية ضدّهم.
السيدات والسادة،
   إن إحياءنا لهذه الذكرى، ذكرى اغتيال فرحات حشاد، وهي إحياء للذاكرة النقابية. وفي هذا السياق فإنّنا نهيب بجميع النقابيين في الجهات وفي القطاعات أن يقدّموا كل ما لديهم من وثائق وصور وأشرطة وغير ذلك من الأدلّة التي تروي مسيرة منظمتنا العتيدة وروّادها البررة.
   لقد قرّرنا في الاتحاد العام التونسي للشغل بمناسبة هذه الذكرى الستين، إنشاء متحف الحركة العمالية والنقابية بالطابق السفلي لضريح فرحات حشاد، وبعث مركز لتوثيق الذاكرة النقابية. كما نعتزم خلال السنوات القليلة القادمة بعث معهد حشاد للتكوين النقابي والتثقيف العمالي تجسيدا للحلم الذي راود أجيالا من النقابيين.
   إنّ مثل هذه الانجازات سوف تساعد على تثمين تراثنا الحافل بالنضالات والتضحيات وعلى نشأة الأجيال القادمة من النقابيين وعلى تنمية نخوة الانتماء لديهم إلى المنظمة الشغيلة الاتحاد العام التونسي للشغل.
أيها الشغالون،
إنه بقدر عزمنا على الإسهام في إنجاز الانتقال الديمقراطي والإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفقا لشعارات الثورة وتطلعات شعبنا، فإننا عازمون بنفس الإرادة على مواصلة دعمنا اللامشروط لقضية تحرر شعبنا في فلسطين، وإننا لنتوجه بتحية إكبار للمقاومة الباسلة في غزة، وما أبدته من صمود في مواجهة العدوان الصهيوني الأخير راجين أن تتعزز وحدة النضال ضد الكيان الصهيوني تحت لواء واحد تسفيها لأحلام أعدائه المراهنين على الانقسام والتفكّك.
أيها الشغالون،
إننا إذ ننحني بكل خشوع أمام شهداء الوطن الذين قضوا من أجل أن تحيا تونس حرة أبيّة نجدّد العهد لكم على البقاء دوما أوفياء للمبادئ والمواقف التي شكّلت المرجعيّات الأساسية للمنظمة: ديمقراطية التعامل واستقلالية القرار، ساعين إلى التوفيق بين الدفاع عن مصالح الأجراء وحقوقهم وبين المساهمة النشيطة – إلى جانب قوى المجتمع الأخرى- في بناء مجتمع مدني يسعى إلى إكساب قيم العدالة والحرية والمساواة مضمونا فعليا وفاعلا.
تونس، في 05 ديسمبر 2012
عن المكتب التنفيذي الوطني
الأمين العام
حسين العباسي