2012/05/29

الإتحاد العام التونسي للشغل: أرضية عمل إقتصادية وإجتماعية

الشهيد والزعيم النقابي التونسي فرحات حشاد
الإتحاد العام التونسي للشغل


مشروع أرضية عمل اقتصادية واجتماعية





      لقد تأسست الحركة النقابية في تونس في مرحلة الاستعمار الفرنسي، أي في خضمّ حركة النضال الوطني والانعتاق الاجتماعي حيث كان أول تأسيس نقابي جامع للعمال بالفكر والساعد على يدي محمد علي الحامي ورفاقه جسمته ” جامعة عموم العملة التونسية “.
     إنها التجربة التي قامت على استقلالية القرار وعلى القطع مع النقابات الفرنسية التي كانت تدعي تمثيل العمال التونسيين بينما ظلت في الأصل مكرّسة للتمييز بين العمال التونسيين والعمال الأجانب فضلا عن وعي محمد علي الحامي بأن أصل معاناة الشعب التونسي بكافة فئاته وطبقاته الاجتماعية ناجم عن هيمنة الاستعمار الفرنسي على بلادنا الأمر الذي أدّى إلى تشريد قيادة جامعة عموم العملة وإلى نفي مؤسسها محمد علي الحامي الذي يعدّ معلما تاريخيا لطبيعة العمل النقابي على حدّ تعبير مؤسس الاتحاد العام التونسي للشغل فرحات حشاد.
    والجدير بالملاحظة في حديثنا عن التجارب الأولى للحركة النقابية الإشارة إلى أنها لم تقتصر على العمل الاجتماعي وعلى المنحى التحرري الاقتصادي والسياسي بل تعدّت ذلك إلى تعميق التفكير في المجتمع المنشود في علاقة بالهوية والتراث، تفكيرا تبلور في مؤلف من إنتاج رائد الإصلاح الطاهر الحداد الذي اعتبر المرأة مكوّنا أساسيا من مكوّنات الرقي الاقتصادي والاجتماعي والسياسي حيث أكّد في كتابه: “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” ومنذ ثلاثينات القرن الماضي حقها في التعليم والشغل والإرث والإسهام في تسيير الشؤون الإدارية والسياسية للبلاد، وتوصّل، رغم معارضة عدد من المتعصّبين إلى رسم صورة إمرأة تجمع بين التمسك بالأصالة وبين الانفتاح على الحضارات الأخرى. وما يتطلبه المجتمع من السير قدما نحو التحرر والانعتاق ومن أهم ما ورد في هذا المؤلف:
     ”مهما بالغنا في إنكار ما للمرأة من حق ومالنا في نهوضها من نعمة شاملة فإنهـا ذاهبة في تيار التطوّر الحديث بقوة لا تملك هي ولا نحن لها ردّا. وهي تجري في ذلك على غير هدى أو كتاب منير، وذلك ما يزيد كل يوم روح الفوضى فينا رسوخا واشتباكا. وبدلا من هذا العناد الذي لا ينفع شيئا كان يجب علينا أن نتعاون جميعا على إنقاذ حياتنا بوضع أصول كاملة لنهوض المرأة الذي هو نهوضنا جميعا. وبذلك نكون قد طهّرنا الماء الصالح للحياة قبل أن يتحول إلى عفونة تهدمها وتبيدها“.
    ” وقبل أن أختم القول أراني مدفوعا بقوة غريبة إلى أن أحيي بروحي الملتهبة وبانحناء العابد المستغرق آمالي في نهضة المرأة والشعب والشرق عموما. وإذا كنت أراها اليوم بعيدة في النظر فإني أراها قريبة في اتحاد الألم والشعور والفكر وماثلة في العلم والتربية والتضحية في سبيلهما. ذلك هو سر خلاصنا من آلام الموت وانبثاق فجر الحرية الصادق“.
     وهو التوجّه الذي ميّز التجربة النقابية في تونس فخرج بها من المجال المهني المطلبي الضيق إلى المجال السياسي الأرحب وأهّل الاتحاد إلى تصدّر النضال الوطني بل إلى قيادة الكفاح المسلّح في بعض المراحل من تاريخ بلادنا وقدّم مناضليه شهداء من أجل الوطن في مقدمتهم شهيد الوطن فرحات حشاد.
     وهي المسارات ذاتها التي جعلت الاتحاد العام التونسي للشغل يلعب الدور الريادي في تنظيم المجتمع: مساهمته في تأسيس اتحاد الفلاحين والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة وبعثه لعديد الاتحادات والنوادي الرياضية والثقافية واهتمامه بتنظيم صفوف البطالين ومساهمته طرفا أساسيا في بناء الدولة الحديثة سواء بأول تقرير اقتصادي واجتماعي أعدّه، اعتمد في رسم ملامح السياسة التونسية أو من خلال المشاركة الفاعلة في أول مجلس تأسيسي تونسي وأول حكومة تتشكل لتسيير البلاد.
     إن منظمة الشغالين رقم قار في الانطلاقة السياسية للبلاد وفي كافة المراحل التي تلتها حيث ظلّت جدلية النضالين الوطني والاجتماعي قائمة في مواقف وقرارات وتوجّهات اتحادهم، فكانت الأزمة الخطيرة التي اندلعت سنة 1965 بين قيادة الاتحاد والنظام البورقيبي إثر المطالبة بالتعويض للشغالين عما لحق أجورهم جرّاء قرار التخفيض في قيمة الدينار والتي انتهت بالزجّ بالأخ الحبيب عاشور في السجن.
     كما كان تركيز الرئيس بورقيبة منتصف الستينات نظام الحزب الواحد مطلق الصلاحيات مؤذنا بوهن النظام البورقيبي وظهور كل نقائص الأنظمة المستبدّة دافعا للزعيم أحمد التليلي إلى الإلحاح في رسالته الشهيرة على ما ترتّب عن تلك السياسة من تردي للأوضاع في شتى الميادين سواء على صعيد مؤسسات الدولة أو على مستوى المنظمات الاجتماعية التي أريد لها أن تتحول إلى أطر خاوية أو على صعيد التصرّف الاقتصادي والاجتماعي، فاختار هذا المناضل – انسجاما مع توجهات المنظمة منذ التأسيس واهتمامها البالغ بالشأن الوطني التحلي بجرأة الوطنيين الصادقين رغم ما سيلحقه بعد ذلك من أذى، حيث قضّى بقية حياته في المنفى.
    هذا وقد كان انشغال قيادة الاتحاد في أوائل السبعينات بتدعيم المركزية النقابية لتصبح القوة الشعبية الأولى أمام الاختيارات الاقتصادية الليبرالية وتكريسا – في نفس الوقت- لتوق العديد من الحساسيات السياسية والاجتماعية إلى التخلص من جمود وهيمنة الحزب الواحد في غياب إطار مؤسساتي شرعي قادر على استقطابها، وبذلك أصبحت المنظمة تضم أكثر من 550 ألف منخرط من العمال الشبان والإطارات والفنيين توافدوا عليها يحدوهم أمل تحسين ملموس لظروفهم المادية الأمر الذي جعل حزب النظام يخشى من الدور المتعاظم فقرّر وضع مؤتمراتها تحت إشرافه المباشر، فضلا عن بعثه للشعب المهنية في كافة المؤسسات، وأمام هذه المؤامرة التي تستهدف استقلالية الاتحاد ومحاصرة المسار الديمقراطي الذي فتحت المنظمة النقابية زناده بدعمها للطموحات العميقة للجماهير الشعبية في التحرر والانعتاق تقرر شن الإضراب العام يوم 26 جانفي 1978 إلا أن القمع الذي واجهت به السلطة النقابيين وتنظيمها مؤتمرا استثنائيا لتنصيب قيادة للاتحاد قصد إضفاء شرعية مزعومة على مشروع تصفيته بالقوة ساهم في عزلة النظام وتعميق الهوة بينه وبين الجماهير الشعبية وعلى الصعيد الدولي أيضا.
    فكانت استماتة الهياكل الشرعية في مقاطعة المنصبين وتضامن الفدراليتين النقابيتين العالميتين والعديد من الفدارليات القطاعية الدولية مع القيادة الشرعية والمطالبة بإطلاق سراحها وضعف الجبهة الداخلية من ناحية أخرى العوامل الأساسية في بحث النظام عن حلّ لإنهاء أزمته عبر التفاوض مع المسؤولين السابقين الشرعيين من أجل تطبيع وضعه في الداخل والخارج. وحيث أنّ المشغل الأساسي لم يكن يتمثل في وضع الإصبع على نقائص النظام التي سبّبت الأزمة ولا على الوسائل الفعالة لمعالجة الأسباب العميقة لمنع تكرارها، بل كان يتعلق بخلق إجماع حول النظام من جديد، حيث واجهت حكومة السيد محمد مزالي سنة 1984 الحركة المطلبية بالتصلب وبرفض التفاوض والإيقافات بالجملة للإطارات النقابية والطرد التعسفي للعمال ورفض التشاور حول السياسة الاقتصادية والاجتماعية على أساس التقرير الاقتصادي والاجتماعي الذي صادق عليه المؤتمر السادس عشر للاتحاد الملتئم تحت شعار” ديمقراطية وعدالة”، بل تمّ تشجيع تكوين اتحاد مواز، والعمل على إضعاف الاتحاد العام التونسي للشغل بإنهاء العمل بالخصم المباشر وإلغاء الإلحاق النقابي ثم الإجهاز على قيادات الاتحاد والزجّ بها في السجون من جديد.
    وامتدّ الابتزاز إلى أملاك الاتحاد ومؤسساته إلا أن الاتحاد استطاع أن يلملم جراحه بعد التغيير السياسي الذي حصل في أعلى هرم السلطة عام 1987 فاستعاد عافيته بعد مؤتمر سوسة 1989 إذ تمكّن من تجديد قيادته عبر الاقتراع الحرّ واسترجاع ممتلكاته وإعادة المطرودين إلى سالف عملهم وشيئا فشيئا استطاع أن يسترجع دوره كممثّل وحيد للطبقة الشغيلة على الصعيد الوطني والمؤسسة الإنتاجية.
    إلا أن انخراط بلادنا في العولمة بمنظومتها الليبرالية الجديدة المؤيّدة لخفض انفاق الدولة  والتحرير التشريعي والخوصصة، وانفتاح الاقتصاديات ومرونة التصرف في الموارد البشرية بغاية تحقيق المنافسة وتقزيم دور الدولة من خلال تقليص القطاع العام وتقليص تدخلها في ميادين الحماية الاجتماعية والصحة والتعليم وحصر دورها في تسهيل وتيسير صيرورة قوانين السوق جعل مواقف الاتحاد من خلال العشرية الأخيرة من القرن الماضي تتّسم ” بالتذبذب” وازدواجية الخطـــاب إزاء  “المناولة والسمسرة باليد العاملة” كما يصفها التقرير العام للمجلس الوطني (2001) الأمر الذي جعله يعمل من ذلك التاريخ على تصحيح مساره وذلك في اتجاه ديناميكية جديدة قوامها تجذير المقاومة ضدّ هذه الظواهر جميعا ونجح في ذلك إلى حدّ ما، بل أعيد الاعتبار للحق النقابي بمصادقة الدولة التونسية على الاتفاقية 135 المتعلقة بحماية ممثلي العملة وتم كبح التفويت في كثير من المؤسسات العمومية وإيقاف الانتدابات في قطاعي الوظيفة العمومية والمؤسسات العمومية عن طريق “المناولة” وإدماج هذا الصنف من العملة في المؤسسات المستفيدة في القطاعين المذكورين آنفا، ولم يقتصر دوره خلال العشرية الفارطة على الجوانب المهنية، بل ومن موقع ثوابته آزر الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان إزاء ما استهدفها من خنق وتضييق، فلم تخلُ لائحة من لوائحه من دعوة النظام إلى احترام استقلالية منظمات المجتمع المدني: الرابطة، نقابة الصحافيين، جمعية القضاة على اعتبار أهمية المجتمع المدني في تحقيق التوازن على أساس احترام حرية التنظم وحرية التعبير.
    وتمسّكا منه باستقلالية قراره رفض التواجد في مجلس المستشارين على أساس الشروط التي طرحها النظام يومئذ وبقيت المقاعد المخصصة له شاغرة إلى يوم سقوط النظام فضلا عن الدور الذي لعبه في تعميق الوعي بالاختلالات الخطيرة الناجمة عن سياسة التشغيل وسياسة التنمية الجهوية (دراسات حول التشغيل الهش، دراسات جهوية…).
    إنه من منطلق الإيمان بالدور الوطني للمنظمة احتضنت مقراتها محليا وجهويا ووطنيا الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها بلادنا منذ يوم 17 ديسمبر 2010 فخرجت المسيرات والمظاهرات مندّدة بالقمع، وباستشراء البطالة، ومنادية برحيل النظام والتي تم تتويجها بالاجتماع الشعبي العام بتونس والمظاهرة الحاشدة يوم 10 جانفي 2011 بصفاقس ثم بتنفيذ قرار الاضراب العام بتونس الكبرى يوم 14 جانفي وانتصار ثورة الحرية والكرامة.
    ولتجسيم تطلع شعبنا إلى إرساء نظام ديمقراطي والقطع مع الاستبداد نهائيا، وقف الاتحاد صمّام أمان ضد كافة إرهاصات الثورة المضادة، أو مؤشرات إجهاض الثورة والانحراف بها عن مسارها الصحيح فدعم اعتصامات القصبة 1 و2 وأسقط الحكومة الأولى لاحتوائها على جانب من رموز النظام السابق والثانية لرفضها البرنامج القاضي بإحداث الهيئة العليا لحماية الثورة والإصلاح السياسي بغاية الإعداد لانتخابات مجلس وطني تأسيسي ينهمك في إعداد دستور جديد للبلاد. وما أن استقرت الأوضاع في اتجاه الاستجابة لاستحقاقات الثورة بإحداث الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي وما تمخّض عنها من قرارات وإجراءات تدعم هذا المسار انكبّ الاتحاد على معالجة ملف القدرة الشرائية وتوصّل في ذلك إلى حلول تنسجم وطبيعة الظرف الذي تمر به البلاد.
    إنها التوجّهات التي تأسس على قاعدتها الاتحاد والقائمة أساسا على النضال الوطني خدمة للشعب عموما والاجتماعي خدمة للأجراء والخيط الفاصل بين الجانبين رفيع جدا إلى حدّ لا يمكن تبيّنه إذ أن عزة التونسيين من عزة تونس.