2016/04/30

بيـــــان غرة مـــاي 2016

بيـــــان غرة مـــاي 2016

يحتفل الشغالون في تونس مع سائر عمال العالم بالعيد العالمي للعمال وكلهم عزم على مواصلة النضال من أجل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وتصميم على حماية المكتسبات وتعزيزها وذلك في كنف الوحدة وروح المسؤولية والتطلع إلى مستقبل مشرق تسوده العدالة الاجتماعية وتُحْتَرَمُ فيه حقوق الإنسان وتُصَانُ فيه الحريات العامة والفردية.
أيّتها العاملات أيّها العمال،
   تعود علينا ذكرى عيد العمال هذه السنة وقد حازت منظمتكم العتيدة ومعها بقية الأطراف الراعية للحوار الوطني على اعتراف دولي بدورها في إنقاذ تونس من الانزلاق إلى هاوية العنف وحماية المجتمع التونسي من التمزق والتشظّي والإقرار بجدارة الشعب التونسي بالديمقراطية وحقّه في التمتع بثمراتها من خلال ممارسته لمواطنته بمختلف أبعادها الاجتماعية والسياسية، فكانت جائزة نوبل إحدى التتويجات الكبرى التي حصدها اتّحادكم اعترافا بريادته وتأثيره الإيجابي في المجتمع.
أيتها العاملات أيها العمال،
   نحيي ذكرى عيد العمال العالمي وقد مرت على تأسيس منظمتكم سبعون سنة قدمت خلالها أجسم التضحيات وحققت مكاسب مرموقة ثبّتت مكانتها ليس فقط من حيث هي فاعل اجتماعي أساسي بل وكذلك باعتبارها رقما صعبا في كلّ المعادلات يستحيل القفز عليه أو تجاوزه، كما تمكّن اتحادكم الذي لازم بين البعدين الوطني والاجتماعي منذ بواكير تأسيسه من الصمود في مواجهة أزمات عاصفة استهدفت كينونته وعملت على تقويضه وشطبه من المشهدين السياسي والاجتماعي، ، وخرج منها أوسع خبرة وأكثر قوة وقدرة على الفعل في الواقع متسلحا برؤى ومواقف منحازة إلى جماهير الشعب مساندة لطموحاتها. وفي هذا الإطار، تجلى دوره البارز والحاسم في ثورة 17 ديسمبر 14 جانفي حيث كان الحاضن لكل التحركات والاحتجاجات، ثم المساهم الفاعل في تحقيق انتقال ديمقراطي سلس يعدّ نموذجا أقر المجتمع الدولي بتميزه وفرادته.
أيتها العاملات أيها العمال،
   نحيي ذكرى عيد العمال في كنف تدهور فضيع للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ينذر بتداعيات سلبية في ظلّ هجمة إرهابية تعددت صورها وتنوعت آلياتها وبلغت مستوى من الخطورة يقتضي في إطار تطويقها اعتماد مقاربة شاملة ثقافية وإعلامية وتربوية وأمنية فضلا عن التعامل الجادّ مع الملفات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة وخاصة في قطاعات السياحة والفلاحة التي تمرّ بأزمة طاحنة لم تجد الاهتمام الكافي للتخفيف من وطأتها تمهيدا لاستئصال عواملها المولدة، آو في مجالات التشغيل والتنمية الجهوية التي استمرت وستظلّ أسبابا مباشرة لاحتقان ينبغي أن توضع له حلول نهائية وجذرية بعيدا عن التدابير المتسرّعة والتلفيقية والتي زادت الأوضاع سوء والمناخات الاجتماعية توتّرا.
فالمطلوب اليوم، في إطار تأمين شروط الاستقرار الذي يعدّ مقوما رئيسيا من مقوّمات رقيّ المجتمعات ورخائها، تنفيذ التعهّدات والالتزام بتطبيق المشاريع والبرامج في آجالها، والتسليم بأنّ تحديد السياسات العامّة في المجالات المالية والاقتصادية والاجتماعية هو شأن وطني يهمّ جميع مكوّنات المجتمع التونسي وليس حكرا على طرف بعينه، والكفّ عن اتخاذ القرارات الانفرادية التي لم تفض إلاّ إلى الارتهان وإعادة إنتاج الفشل.

أيّتها العاملات أيّها العمال،
   وإنْ كنّا قد أنهينا جولة من المفاوضات الاجتماعية للزّيادة في أجور الوظيفة العمومية والقطاع العام بعنوان سنتي 2015-2016 كانت عصيبة مورست خلالها علينا كلّ الضغوط  وروّجت المغالطات وشنّت أثناءها علينا حملات التشويه بغاية إفشالها وضرب الاستقرار الاجتماعي خدمة لمآرب فئوية وتحقيقا لمصالح شخصية، فإنّ اتّحادكم نجح في إبرام اتفاق أقرّ زيادات مرضية رغم كلّ الصّعوبات التي شكّلت عقبات حقيقية أمام استمرار المفاوضات والسياقات المهدّدة لمصداقية العملية التفاوضية، واستطعنا أن نعالج عددا هامّا من الملفات القطاعية الشائكة.
  وإنّ هذا التقدّم في مستوى الوظيفة العمومية والقطاع العام قد قابله تعثّر على صعيد المفاوضات في القطاع الخاص رغم الحلول الواقعية التي تقدّم بها الاتّحاد العام وتفاعله الإيجابي مع مقترحات رئيس الحكومة. ولئن تمكنّا من تجاوز هذه العقبات وتوصّلنا إلى إمضاء اتفاق في الزّيادة في الأجور في القطاع الخاصّ فإنّنـا نحثّ على الإسراع بأنهاء إمضاء الملاحق التعديلية والشروع فورا في مفاوضات 2016 -2017 بجانبيها المالي والترتيبي، كما ندعو الحكومة إلى الإعلان عن زيادات في الأجر الأدنى المضمون.
وإنّنا قد انطلقنا في مفاوضات حول مراجعة القانون العام للوظيفة العمومة والقانون العام للمنشآت والدواوين، ومن ثمّة البدء في مفوضات قطاعية لمراجعة الأنظمة الخاصّة.
إنّ الاتحـاد العـام التونسي للشغل كان وفيّـا لاستحقـاقـات الثورة وفي مقدمتها تكريس معايير العمل اللائق والقضاء على كل مظاهر التشغيل الهشّ، فكانت سنتي 2015 و2016 مليئة بالإنجازات حيث تمكنّا من تسوية وضعية أعوان الآلية 16 وإيجاد حلول لأعوان الآلية 20 وإدماج عملة حظائر ما قبل الثورة وتمكنّا عبر مفاوضات مضنية من تمتيع عملة حظائر ما بعد الثورة بالأجر الأدنى والتغطية الاجتماعية وعددهم فاق الثمانين ألفا (80.000) وهي انجازات جعلت من منظمتكم أن تبقى دوما الملاذ الآمن لكل المهمّشين.
أيّتها العاملات أيّها العمال،
  إنّ بناء توافق وطني من أجل إرساء منوال تنمية جديد يعتبر اليوم مهمّة متأكدة ذلك أنّ تركيز أسس تنمية شاملة ومستدامة قائمة على التوزيع العادل لثمار النمو بين الجهات والأفراد هو المدخل السليم لتجاوز الإشكاليات التي تؤرق المجتمع التونسي بمختلف شرائحه شرط أن يرتكز على تطوير اقتصاد أكثر نجاعة وتنافسية وذا طاقة تشغيلية عالية وهو ما يستوجب العمل على تحسين مناخ الأعمال وتشجيع القطاعات ذات القيمة المضافة وتأهيل البنى التحتية وفكّ عزلة الجهات الداخلية وإدماج اقتصادياتها في الدورة الاقتصادية الوطنية ومراجعة السياسة الجبائية وفق مبادئ الإنصاف والشفافية والعدالة ودعم القطاع العام وقطاع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ودفع الاستثمار وخلق مواطن الشغل.
أيتها العاملات أيها العمال،
يستمرّ حرص الاتحاد على مواصلة الاضطلاع بدوره الوطني والاجتماعي، وتمسّكه بالحوار سبيلا لإرساء علاقات شغلية متطوّرة وأداة لحماية الحقوق الأساسية على غرار الحقّ في العمل اللائق والتعلّم والصحّة والحماية الاجتماعية والمساواة في حظوظ الرقي الاجتماعي للجميع من أجل ضمان الكرامة.
  هذا التمسّك بالتشاور والحوار أصبح خيارا استراتيجيا في فكر وممارسة منظمتكم العتيدة، ولذلك ما انفكّت تدعو إلى حوارات وطنية تبحث في الملفّات الوطنية الكبرى في إطار مقاربة تشاركية تحقّق الإجماع الوطني حول المخرجات وتشكّل عوامل إضافية مُمَتّنة للاستقرار ومدعّمة للتّوازن، وإن كانت بعض الملفّات قد وجدت طريقها إلى طاولة الحوار الوطني كسياسات التشغيل والمنظومة التربوية، فإنّ الحاجة تبقى ماسّة لإصلاح المنظومة الاجتماعية في إطار الاتفاقات المبرمة وضمن احترام التعهدات والالتزامات بين الأطراف الاجتماعية وكذلك مراجعة المنظومة الجبائية وغيرها من المنظومات التي تمثّل لبنات في البنيان الديمقراطي المنشود.
أيّتها العاملات أيّها العمال،
لقد تعرّض اتحادكم، وهو يدافع عن حقوق العمّال وساهم في فضّ الملفات الوطنية، إلى حملة شعواء من الشيطنة والتخوين والتشكيك بغاية ارباك الاتحاد وإشغاله عن الاهتمام بالملفات الكبرى، ولضرب مصداقيته وزعزعة مكانته في المجتمع، واستخدمت بعض وسائل الإعلام أبواقا لضرب الحقوق وشيطنة الاحتجاجات الاجتماعية السلمية والخلط بينهما ويبن الإضرابات القانونية المنظمة، حملة حاولت تعليق فشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية على حساب الاتحاد وتحميل تبعاتها على كاهل الشغالين وعموم الشعب.
   إنّنا نحيي هذه الذكرى وكلّنا أمل في استقرار أوضاع شعبنا العربي في ليبيا وسوريا والعراق واليمن، ونؤكّد وقوفنا اللاّمشروط إلى جانب كلّ القوى الوطنية في نضالها ضدّ مشاريع التقسيم والطوأفة التي تسعى قوى الهيمنة لفرضها على أمّتنا بتواطؤ مفضوح مع القوى الصهيونية والرجعية. كما نجدّد دعمنا لشعبنا الفلسطيني الصّامد ومناهضتنا لكلّ أشكال التطبيع مع العدو الصهيوني، ونؤكّد مساندتنا لمقاومته الباسلة من أجل حقّ تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. 
                                                            تونس، في غرّة ماي 2016
                                                               الأميــــن العــــام
                                                                حسين العباسي