2013/11/21

كلمة الأمين العام بمناسبة إحياء الذكرى 63 لأحداث النفيضة 1950

كلمة الأمين العام بمناسبة إحياء الذكرى 63 لأحداث النفيضة 1950

بنات وأبناء النفيضة الأحرار،
مناضلات ومناضلو الاتحاد العام التونسي للشغل،
الأخوات والإخوة،
نحيي اليوم الذكرى الثالثة والستين لأحداث النفيضة الخالدة التي جدّت وقائعها في 21 نوفمبر من سنة 1950.
نحيي هذا اليوم وفاءً لمبادئنا النقابية الأصيلة وتكريما لشهداء منظمتنا العمالية العتيدة الذين سقطوا دفاعا عن الحرية والكرامة ومن أجل سيادة الوطن.
فلنقف أيّتها الأخوات، أيّها الإخوة دقيقة صمت ترحّما على أرواحهم الطاهرة.
الأخوات والإخوة،
لقد تعلّمنا في الاتحاد العام التونسي للشغل أنّ إحياءنا للأحداث والملاحم النضالية الخالدة ليست من قبيل الوفاء فحسب، إنّما أيضا لاستخلاص العبر من نضالات الأجيال السابقة نستلهم منها الدروس وننهل منها معاني العمل النقابي الأصيل.
أنتم تعلمون أنّ الاستعمار الفرنسي بادر منذ انتصابه بالتركيز على نهب الأراضي الزراعية حيث استباح ثرواتها وأوغل في استغلال العملة الفلاحيين وفي ابتزاز أهالي الأرياف التونسية، ولعلّ هذه الممارسات اللاّإنسانية التي أمعن المستعمرون وغلاة الاستعمار في ممارستها هي التي دفعت بالعملة الفلاحيين إلى الانخراط بكثافة صلب نقابات الاتحاد العام التونسي للشغل التونسية المنبت، وهي التي رسّخت لديهم روح المقاومة والتحدّي فجعلتهم يخوضون نضالات بطولية ضدّ المستعمرين والشركات الاستعمارية وقوّات الاستعمار الغاشمة ويتصدّرون طليعة الكفاح من أجل الانعتاق الاجتماعي والتحرّر الوطني.
الأخوات والإخوة،
في مثل هذا اليوم من سنة 1950، وأمام إصرار عمّال النفيضة على مواصلة إضرابهم الذي شنّوه من أجل تحقيق مطالبهم المشروعة بالزيادة في الأجور وتطبيق القانون الأساسي المنظّم للعمل الفلاحي، وأمام اتّساع رقعة الاحتجاج التي عمّت البلاد، أقدمت السلطات الاستعمارية على اقتراف مجزرة رهيبة ضدّ العمّال المضربين والأهالي المتعاطفين في محاولة يائسة لإخماد روح المقاومة فيهم.
كما أقدمت على منع الزعيم فرحات حشّاد من دخول النفيضة في محاولة فاشلة لضرب الاتحاد العام التونسي للشغل وفصله عن قاعدته العمالية بعد أن أظهر قدرة فائقة على تأطير الشغّالين وباقي الفئات الشعبية المفقّرة في مختلف المدن والقرى.
لقد خلّفت هذه الجريمة الاستعمارية استشهاد خمسة عمّال وعشرات الجرحى والعديد من المعتقلين فكان أن تركت في أوساط الشعب التونسي حالة من الحزن والاستياء والغضب، وهو ما دفع بالاتحاد إلى الإعلان عن يوم حداد في كامل البلاد كتعبير عن إدانة الشعب التونسي لهذه الجريمة البشعة.
لقد مثّلت أحداث النفيضة محطّة مضيئة في مسيرة منظّمتنا الشغيلة من أجل الانعتاق الاجتماعي كما مثّلت منعرجا حاسما في مسار المقاومة الوطنية هيّأت الظروف لانتشار الثورة الشعبية والمقاومة المسلّحة ضدّ الاستعمار في كافة أنحاء البلاد.
ولنتذكّر أنّ كلمة حشّاد المأثورة “أحبّك يا شعب” جاءت على وقع أحداث النفيضة، خالدة الذكر، بعد أيّام فقط من الوقفة التضامنية الرائعة التي وقفها الشعب التونسي كردّ فعل على تلك الأحداث الدامية.
الأخوات والإخوة،
إنّ ترسّخ الاتحاد العام التونسي للشغل في وجدان التونسي وفي الذاكرة الوطنية ليس من قبيل الأمر المسقط بل هو نتاج مسار تاريخي حافل بالنضالات والتضحيات والمساهمات والمواقف التي لا يرقى لها الشكّ ولا تصمد أمامها حملات التشكيك.
إنّها محطّات مرصّعة بأعلام لا تزال بصماتها وآثارها مرسومة إلى اليوم بدءا بمحمّد علي الحامي والطاهر الحدّاد وبلقاسم القناوي إلى فرحات حشّاد وأحمد التليلي والحبيب عاشور وسعيد قاقي وحسين الكوكي وحسين بن قدّور رحمهم الله جميعا.
إنّها محطّات من النضال المجتمعي المتعدّد الأوجه والواجهات من أجل التحرّر الوطني ومن أجل بناء الدولة الحديثة ومن أجل استقلالية القرار النقابي والمساواة في المعاملة والحقّ في العمل اللائق الضامن للعيش الكريم والحماية الاجتماعية ولحقّ التنظيم والتعبير ومن اجل الحريات الفردية والعامة وحقّ المشاركة في صنع القرار المحلي والوطني والدولي.
إنّها محطّات محمّلة بالكثير من التضحيات والمعاناة دفاعا عن الحقوق الأساسية للشغالين ومن أجل التصدّي لكلّ مظاهر الظلم والإقصاء والتهميش والحيف والفساد، تجسّدت عبر ملاحم وضّاءة من أهمّها أحداث 05 أوت 1947 وأحداث النفيضة سنة 1950 وحادثة باخرة قرقنة سنة 1965 وأحداث 26 جانفي 1978 وانتفاضة الخبز سنة 1984 وانتفاضة الحوض المنجمي سنة 2008 وآخرها المبادرات الريادية التي اضطلع بها الاتحاد منذ اندلاع ثورة الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، مسجّلة بذلك انتصار الاتحاد العام التونسي للشغل لمبادئ الجمهورية الديمقراطية ودفاعا عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وراعيا للحوار الوطني والتمشّي التوافقي.
إنّها محطّات مضيئة نفخر ونباهي بها، لا تزال تلهم الأجيال المتعاقبة من النقابيين وتشحذ العزائم وتمدّ الجسور مع الماضي لإدراك الحاضر واستشراف المستقبل. محطّات علينا معشر النقابيين أن نرعاها ونحفظها ونجعل منها منبعا متجدّدا للقيم النقابية الأصيلة وللتمشّي المجتمعي لمنظمتنا العريقة الاتحاد العام التونسي للشغل.
لذا وسيرا على درب الشهداء فإنّنا ماضون في حماية منظمتنا والدفاع عن العمّال وإنقاذ البلاد. فكونوا لُحمة واحدة ضمن اتحادكم لتدافعوا عن حقوقكم وعن بلادكم من كلّ خطر يتهدّدها، فتونس اليوم أحوج إليكم من أيّ وقت مضى وهي أحوج لنا نحن النقابيين، دافعنا عنها زمن الاستعمار وسنواصل الدفاع عنها اليوم لبناء الديمقراطية وإرساء العدالة الاجتماعية.


عاش الاتحاد حرّا مستقلاّ ديمقراطيا ومناضلا.
العزّة والخلود لشهدائنا البررة.