2013/05/16

كلمة الأخ حسين العباسي في افتتاح أشغال الجولة الثانية للمؤتمر الوطني للحوار






كلمة الأخ حسين العباسي
في افتتاح أشغال الجولة الثانية للمؤتمر الوطني للحوار
تونس، الخميس 16 ماي 2013

السيد محمد المنصف المرزوقي: رئيس الجمهورية،
السيد مصطفى بن جعفر: رئيس المجلس التأسيسي،
السيد علي العريض: رئيس الحكومة،
السيدة وداد بوشماوي: رئيسة الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية،
السيد عبد الستار بن موسى: رئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان،
السيد شوقي طبيب: عميد الهيئة الوطنية للمحامين،
السيدات والسادة رؤساء الأحزاب والمنظمات الوطنية والجمعيات المدنية،
السيدات والسادة الوزراء وكتاب الدولة وأعضاء المجلس الوطني التأسيسي،
حضرات الضيوف الكرام،
السيدات والسادة،

كم يسعدنا ويسرنا أن نلتقي بكم مجدّدا في هذه الجولة الثانية من المؤتمر الوطني للحوار والتي تلتئم في إطار مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل، بعد أن التأم الشمل، واكتملت حبات العقد بانضمام حزبي النهضة والمؤتمر من أجل الجمهورية، وانتصرت روح الوفاقية وتغلّبت علوية المصلحة الوطنية لدى الجميع. فمرحبا بكم جميعا، وشكرا لكم على تلبية الدعوة، ولقبولكم الانخراط في هذه الجولة الحوارية التي نريدها لحظة فارقة تقطع مع حالة الاستقطاب التي أضحى عليها المشهد السياسي والذي أصبح موسوما بتنامي أزمة الثقة وحالات الانفلات، بالرغم من تفهّمنا لخصوصية السياقات الانتقالية..
لحظة فارقة تخفّف من الاحتقان الذي أصبح يسيطر على أغلب الفئات الشعبية جرّاء تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والأمنية...
لحظة فارقة تعيد الثقة في نخبنا التي اهتزّت صورتها بسبب انسياقها، إراديا أو دون إرادة، وراء التجاذبات السياسية والعقائدية، وبسبب عدم تركيزها على ما نادت به ثورتنا المجيدة من استحقاقات وما رسمته من أهداف لا تزال جماهيرنا الشعبية تردّدها وتلحّ على تحقيقها.
نريدها لحظة فارقة في وعينا الجماعي بشأن التحديات التي تتربّص بنا والمهام التي يتعيّن انجازها لاستكمال المرحلة الانتقالية التي نعيش إرهاصاتها.

السيّدات والسادة،

إن ما عاشته وتعيشه بلادنا في فترة ما بعد الثورة من تنازع وتجاذب، ومن توتّر اجتماعي، وانفلات أمني، بلغ حدّ التمرّد على القانون والمروق على الدولة، ومن تصاعد لمنسوب العنف الذي بدأ لفظيا، فماديا، ليتحوّل إلى الاغتيال السياسي فالإرهاب المسلّح، ومن استفحال أنشطة التهريب والتجارة الموازية والانتصاب الفوضوي المترتّب عن ضعف هيبة أجهزة الدولة، ومن احتقان متزايد جرّاء التأخير المسجّل في تلبية استحقاقات العدالة الانتقالية، وفي انجاز المشاريع المعلنة خاصة في الجهات المحرومة، ومن بعض التردّد في استحداث الآليات الضرورية لتأمين مستلزمات التوازن والتماسك التي يتطلّبها المسار الانتقالي الذي نطمح له، إنّما هي مؤشرات باتت تحرّك مخزونا من القهر والاستبداد تراكم عبر عقود، وأضحت تثير المخاوف على مستقبل المجتمع والدولة، وتهزّ الثقة في إرادة التغيير والإصلاح، وتدعونا جميعا إلى تحكيم الرأي والتحلي بالمعقولية.
لقد حان الوقت لبناء الوفاقات بين الفاعلين السياسيين ونشطاء المجتمع المدني وقواه الحيّة، من أجل صياغة معجم خاص بالانتقال الديمقراطي يقوم على تشخيص مشترك لأوضاع البلاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ولمقدراتها الطبيعية والمادية والبشرية، ولمحيطها الإقليمي والدولي.. تشخيص يستند على استقراء موضوعي للماضي بإخفاقاته ونجاحاته، وعلى استشراف واقعي للتحديات والرهانات وللمخاطر والفرص. معجم يمكننا من التكلم بلغة واحدة عن استحقاقات الانتقال الذي نريده، وعن المضمون الذي نعنيه بمفهوم الديمقراطية. وبذلك يمكننا ضبط الأهداف وترتيب الأولويات وتحديد الآليات الضامنة لتحقيق الانتقال الديمقراطي وتدقيق آجال انجاز وتنفيذ مراحله.

السيّدات والسادة،

إننا على يقين بأن ما قمتم وتقومون به من مساع للوصول إلى توافقات سياسية بشأن إدارة المرحلة الانتقالية، وما سجل من توافقات إلى حدّ الآن ضمن الجولة الأولى من مؤتمر الحوار الوطني الذي دعونا إليه يوم 16 أكتوبر من السنة الفارطة، أو في إطار مبادرة الترويكا، أو في سياق المبادرة الأخيرة التي احتضنها قصر الضيافة بقرطاج، بين هذه المجموعة من الأحزاب أو تلك، أو ما بين أجزاء من مختلف المجموعات، إنما تندرج جميعها في مسار التنشئة على النهج الديمقراطي، وهي الخطوات الأولى لمنظومة الحكم التي ولدت من رحم ثورتنا المجيدة، والتي من الطبيعي أن تمرّ، ككلّ مولود جديد، بمراحل نموّ تفقد فيها التوازن أحيانا، وتتعرّض خلالها إلى عثرات وكدمات مؤلمة أحيانا أخرى، قبل أن يشتدّ عودها وتستقيم على قدميها مشدودة الهامة تمشي.
واعتقادنا - بل يقيننا - أنّ إقبال مختلف الكتل والتجمعات التي تمثلونها، والتي تمثّل أهمّ مكونات المشهد السياسي والمدني في بلادنا، على حضور هذه الجولة الثانية من مؤتمر الحوار الوطني هو دليل ساطع على مستوى النضج الذي بلغناه وهو مؤشر إيجابي على مدى الوعي الذي أدركناه، والذي تجلّى أخيرا في تغلّب خيار التوافق ونهج الحوار، ومنطق الاعتراف بالآخر لدى كلّ منا كمقوّم من مقومات الهوية الذاتية. مؤشر يبعث على التفاؤل ويعيد الأمل في الذكاء التونسي، وفي إرادته على تطويع القدر لمشيئته.. مشيئته في أن تحيى تونس حرّة، مستقلّة، منيعة.. مشيئته في أن يحيا الشعب التونسي من دون أغلال تُقيّدُهُ، طليقا كما النّسر فوق القمم.

السيّدات والسادة،

لقد سبق ونبهنا وشُركاؤُنا في الرابطة التونسية لحقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين والإتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، إلى مغبّة التهاون في مقاومة التطرّف، والتأخير في معالجة أسباب الاحتقان، سواء منها البطالة أو التفقير أو التهميش أو الإقصاء. كما سبق واشرنا إلى أهمية المبادرة بتوجيه رسائل مطمئنة لعموم الشعب، تعيد له الثقة وتفتح أمامه الأمل في المستقبل.
واليوم وبعد عامين ونصف من عمر الثورة، وبعد أكثر من سنة ونصف من انتخابات 23 أكتوبر 2011، وتشكّل المجلس الوطني التأسيسي، ها نحن نقف أمام منزلق خطير.. منزلق الإرهاب المسلح، بعد أن ذُقنا مرارة التكفير الدعوي، الذي طالت الأفراد والمؤسّسات والمعالم الأثرية والثقافية، وتجلى في عمليات التنكيل والتخريب، بلغ حدّ الاغتيال السياسي والجريمة المنظمة.
الأملُ الوحيد في ظلّ هذا المشهد المحزن والمخيف، هو ما نراه اليوم من إجماع متزايد لإدانة العنف، ومن التفاف متنام حول قواتنا العسكرية والأمنية وهي تستميت في تطويق واستئصال بؤر الإرهاب قبل أن تستفحل، وتعمل بحرفية عالية للكشف عن مخابئ الأسلحة المروعة والمخطّطات المدمّرة، ولفرض سلطة القانون على الرافضين لسلطانه.

السيّدات والسادة،

إن تونس أمانة في أيدينا جميعا.. وهي اليوم لم تعد قادرة على تحمّل تبعات ما تعيشه من توتّرات وهزّات مرهقة، أنهكت مؤسّساتنا وأوهنت قدرتها على الإنتاج والمنافسة، وأقعدت اقتصادنا على الاستثمار والتشغيل، وعمّقت مشاعر التهميش والإقصاء والحرمان لدى شبابنا، ودمّرت القدرة الشرائية للشغالين وللفئات الشعبية والمتوسّطة، وأعاقت مسارات التنمية في جيهاتنا وخاصة الداخلية منها، وألهت قواتنا العسكرية على التفرّغ لحماية أمننا الخارجي وتحصين حدودنا ضدّ تجار السّلاح والمخدرات والسّلع المهربّة، وشلّت قدرات قواتنا الأمنية على ضمان أمننا الداخلي.
إنّ تونس تناشدكم، كأحزاب في الحكم أو في المعارضة، وكمنظمات وطنية، وجمعيات مدنية وشخصيات، لتأجيل ما يفرّقكم، والتركيز على ما يوحّدكم،
من ذلك أولا، الإجماع على نبذ العنف، والتعهّد بمقاومة كلّ من يأتيه أو من يحرّض أو يشجّع عليه، وقد يكون ذلك في إطار مؤتمر وطني لمقاومة العنف، نقترح أن يَدْعُوَ مؤتمرنا هذا إلى عقده في أقرب الآجال ليبحث في مسبّبات الظاهرة وتبعاتها على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. إنّ دقّة المرحلة وتأزّم الأوضاع الأمنية يفترض منّا جميعا الوقوف دون تردّد أو تلكؤ في مواجهة كلّ أشكال العنف والتصدي الحازم لمقترفيه مهما كانت انتماءاتهم وتصنيفاتهم. إن شعبنا ينتظر منا اعترافا صريحا ومعلنا بضرورة احتكار الدولة للعنف دون سواها، فهو المقياس الأساسي في تقدير مدى مصداقية إرادتنا الجماعية في استكمال استحقاقات ثورتنا، ومدى صدق نوايانا في الانتقال السلمي إلى مرحلة بناء الدولة الديمقراطية. إنّ نفاذ القانون وتفعيله وإن يجب أن يكون صارما وحازما، فلا بدّ أن يكون أيضا مسنودا بمقاومة مجتمعية ذات أبعاد سياسية وفكرية وثقافية تقوم على مبدأ الحوار والأخذ بالرأي المخالف.
من ذلك ثانيا، التوافق على خارطة طريق محدّدة المهام والآجال لإدارة المرحلة الانتقالية التي تفصلنا عن موعدي الانتخابات التشريعية والرئاسية، والتي يتعيّن أن تتضمّن بالخصوص أهمّ النقاط الرئيسية التي أشارت إليها ورقة العمل التي توجهنا بها إليكم، والتي نأمل أن يضبط مؤتمرنا آجالا لإنجازها تكون ملزمة سياسيا وأخلاقيا، ويكون للمجلس الوطني التأسيسي كلمة الفصل في اعتمادها.
من ذلك ثالثا، التعجيل بتوجيه رسائل واضحة إلى الرأي العام الوطني والدولي بشأن توجهاتنا الثابتة والحازمة في مقاومة العنف وفي تحييد الإدارة العمومية ودُورِ العبادة والمؤسّسات التربوية، وفي تأمين العدالة الانتقالية وحماية المقدرة الشرائية، وتثمين قيمة العمل، وتدارك التفاوت في مستوى التنمية الجهوية، والتخفيف من حدّة البطالة، وتوفير مقوّمات العمل اللائق والعيش الكريم.

السيّدات والسادة،

إنّ تونس، في أمسّ الحاجة إلى الأمن والآمان..
هي في حاجة إلى الأمن، لأنّ من دونه لا يمكن الاستقرار على رأي، ولا على هدف، أو برنامج أو أي عمل كان.
وهي في حاجة إلى الأمان، لأنّ في ظلّه وبفضله يمكن أن تتولّد الرغبة في رفع أفاق التطوّر المستديم والمتوازن، وتتحرّر الطاقات الكامنة الضرورية لخلق القيمة المضافة، والميزات التفاضلية التي نحتاجها لتنشيط الحياة السياسية، ومسار التنمية الاقتصادية، ولتفعيل الحراك الاجتماعي والثقافي والعلمي في بلادنا.
ويبقى التقدّم في استكمال المراحل التأسيسية التي أوكل للمجلس التأسيسي مهمّة إنجازها، رهن نجاحكم في التوصّل إلى توافقات تختصر المراحل وتقتصر المسافات من أجل الانتقال بأسرع وقت إلى مرحلة الاستقرار السياسي واستيفاء شروط الإقلاع الاقتصادي ومقوّمات الرقيّ الاجتماعي العادل والمتوازن.
ولتحقيق ذلك فإننا ننتظر أن ينبثق عن هذا المؤتمر هيكلا يطلق عليه لجنة متابعة الحوار الوطني، من أجل تجسيم ما يتمّ التوصّل إليه من توافقات عامة ترفعها تباعا إلى المجلس الوطني التأسيسي لاتخاذ القرار بشأنها باعتباره السلطة الشرعية والدستورية.

أيّتها السيّدات، أيها السادة،

إنّنا ونحن مُنْكبُّونَ على مشاغلنا في تونس منغمسون في البحث عن توافقات لحلّها، لا يسعنا في هذا اليوم المشهود إلاّ أن نستذكر محنتنا العربية في فلسطين في الذكرى 65 للنكبة التي هُّجِرَ فيها آلاف من إخوتنا وقُتِلَ من قُتِلَ ودمّرت قرى بأكملها على يد العصابات الصهيونية لمحاولة طمس التاريخ.
وكما ابتدعت ثورتنا في تونس شعار " الشعب يريد إسقاط النظام " فقد ابتدعت شعار " الشعب يريد تحرير فلسطين " فلتكن ثورة الحرية والكرامة الطريق المُعَبَّدْ نحو تحرير فلسطين وإقامة دولتها المستقلّة وعاصمتها القدس الشريف.
لقد كنا بثورتنا المجيدة ضدّ الاستبداد والفساد نموذجا نال إعجاب وتقدير العالم بأسره وأدى إلى تفجير الثورة العربية، وعلينا اليوم أن نكون قدوة في مجال البناء التوافقي من أجل إرساء مجتمع تسوده الديمقراطية وتؤمّه روح التعايش والمواطنة. فإنّها فرصة أخرى لنضيف إلى سجلّ تاريخ الثورات الرائدة بصمة أخرى من بصمات الثورة التونسية. فليكن عزمنا على قدر ما رسمته ثورتنا من أهداف واستحقاقات، "فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم".

وفّقنا الله جميعا لما فيه ازدهار تونس ومناعتها، ولما فيه الخير والعزّة لشعبنا،
الوفاء والخلود لشهداء ثورتنا المجيدة،
والإجلال والتقدير لجرحاها البارين،
العزّة والمستقبل الوضاء لشباب تونس الثائر،
والسّــلام عليكـــم ورحمـــة الله وبركاتـــــه.