2013/03/07

كلمة الأمين العام بمناسبة انعقاد المائدة المستديرة حول “الحوار الاجتماعي والانتقال الديمقراطي


كلمة الأمين العام بمناسبة انعقاد المائدة المستديرة حول “الحوار الاجتماعي والانتقال الديمقراطي

اسمحوا لي بادئ ذي بدأ أن أتوجه بجزيل الشكر والتقدير لأصدقائنا في الكنفدرالية العامة الإيطالية للشغلCGIL ، على روح التعاون والتضامن التي ما انفكوا يبدونها إزاء نضالات الاتحاد العام التونسي للشغل من أجل الدفاع عن استقلالية قراره، وعن حقه في التعبير والممارسة، وعن استحقاقات منظوريه وكافة الشغالين التونسيين في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
الأخوات والإخوة، 
تنعقد هذه التظاهرة حول ” الحوار الاجتماعي والانتقال الديمقراطي ” في سياق محلي وإقليمي يتسم بتحولات متسارعة تضع بلادنا وكذلك المنطقة العربية عموما أمام تحديات صعبة من شأنها أن تفتح المجال لآفاق مختلفة عما كانت عليه في المرحلة السابقة.
هذه التحولات المتسارعة الجارية تفرض حتما إعادة النظر في العديد من المفاهيم سادت خلال المرحلة السابقة والتوجه نحو إعادة تشكيل سياسي واقتصادي واجتماعي من نوع جديد ويقيننا أنه بقدر ما تحمله المرحلة الانتقالية التي يعيشها من مخاطر وتحديات عادة ما تلازم التحولات التاريخية في مسارات الشعوب، فإنها في المقابل توفر فرصا ثمينة ومن بينها تخليص الشعب من الخوف والتعاطي السلبي مع الشأن العام، وتفتح المجال للاستثمار الجيد والمسؤول اجتماعيا ولتوسع مجالات الحرية وممارسة الديمقراطية والحكومة التشاركية.
الأخوات والإخوة،
لقد سجلت الفترة الأولى من المرحلة الانتقالية التي تلت مباشرة  سقوط نظام بن علي الدكتاتوري المستبد العديد من الانجازات على درب إرساء تقاليد جديدة في التعاطي مع الشأن السياسي لعلّ أهمها بعث الهيئة العليا لحماية الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي ثم الهيئة العليا للانتخابات التي نجحت إلى حدّ كبير في تنظيم أول انتخابات في البلاد تستحق صفة الشفافية والديمقراطية، أفرزت مجلسا وطني تأسيسي عهدت له مهمة إعداد دستور جديد للبلاد وإدارة المرحلة الانتقالية كان الجميع ينتظر أن تتم وفق روح توافقية وفي كنف الحوار والتشاور البّناء والمسؤول.
لكن عقلية الغنيمة والمحاصصة التي استبدت ببعض القوى السياسية خلقت واقعا جديدا اتسم بالتغول المفرط وكان من مظاهره تفشي منطق الاقصاء والاستبداد بالرأي وغياب الحوار والقبول بالرأي المخالف، واستفحال ظاهرة العنف الذي بلغ أقصاه باغتيال الشهيد القيادي السياسي والمناضل الحقوقي شكري بلعيد رحمه الله.
ولئن سجلت الأيام الأخيرة التي تلت عملية الاغتيال الجبانة منحى جديدا يوحي بالإقرار بحتمية التمشي التوافقي وبأهمية الحوار من أجل إدارة المرحلة الانتقالية المقبلة فإن استمرار العجز في معالجة بعض المعضلات الحارقة بات يهدد بنسف كل محاولات التهدئة ويرتهن المبادرات الرامية إلى عقلنة العلاقات ومأسستها ومن أهم هذه المعضلات تلك التي تتعلق بالتشغيل وخاصة تشغيل أصحاب الشهائد العليا والتفاوت الجهوي واستشراء الفساد بما في ذلك سيطرة المهربين على مسالك التوزيع وتحكمهم في الأسعار.
الأخوات والإخوة،
      لقد شدّد الاتحاد العام التونسي للشغل، منذ سقوط الطاغية وإلى اليوم، على أهمية الحوار بين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين ومكونات المجتمع المدني، بأنّ الحلول التوافقية، والإرادة الجماعية هي الأقدر على مواجهة التحديات وتجاوز الصعوبات.
 بل أنه كان في طليعة الحاضنين للقاءات الأولى التي جمعت أهم فصائل المعارضة ومكونات المجتمع المدني، للبحث في سبل حماية أهداف الثورة.
وكان في المدّة الأخيرة، من أكثر الحريصين على دعوة الفرقاء إلى حوار وطني للتوافق حول الاستحقاقات الرئيسية للمرحلة الانتقالية.
      كما سعى من خلال مشروع الدستور الذي أعدّه، ومن خلال توقيعه على عقد اجتماعي مع الحكومة المؤقتة وشريكه الاجتماعي، الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، إلى بلورة مضامين جديدة لما يمكن أن يكون عليه الحوار في بلادنا، ولما يمكن أن يجمع الفرقاء مهما كان موقعهم للإستجابة إلى الاستحقاقات التي نادت بها ثورة الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
      وفي اعتقادنا فإن ما نحن بصدد إرسائه مع مختلف الشركاء الاجتماعيين يشير إلى الآفاق الكبيرة للنهوض بالحوار الاجتماعي، والارتقاء به من الظرفية الموسومة بالتشنج والصراع غلى الاستمرارية القائمة على الرغبة المشتركة في التعاون وإيجاد الحلول طويلة المدى بما يخدم مصلحة المؤسّسة والأجير على حدّ سواء، وكذلك الارتقاء به من طبيعته ثلاثية الأطراف إلى التنوع في مستويات الحوار ليكون على المستوى الوطني والقطاعي وداخل المؤسّسة.
      إن التأسيس لحوار اجتماعي مع شركائنا الاجتماعيين، حكومة كانت أو اتحادات مهنية مختلفة، بجب أن يراعي الأصول البيداغوجية، والتي تقضي بمنح الأولوية للحوار داخل المؤسسة، حيث تكون التنشئة الحقيقية على ثقافة التشاور والعمل الجماعي والتدرب على التفاوض وصياغة الحلول التوافقية، بدأ من القاعدة مرورا بالمستوى القطاعي إلى المستوى الوطني ثمّ الإقليمي والدولي.
      وإن ما توصلنا إليه في الأيام الأخيرة مع شريكينا الجامعة التونسية للنزل والجامعة التونسية لوكالات الأسفار والسياحة إسوة يما توفقنا إليه مع شريكنا الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية وما نعتزم القيام به مع الاتحاد الوطني للفلاحة والصيد البحري وبقية المنظمات المهنية إنما يعبّر عن رؤيتنا الجديدة لما يمكن أن يكون عليه الحوار الاجتماعي والعلاقات الشغلية مستقبلا.
الأخوات والإخوة،
      إن إرساء مقومات الحوار الاجتماعي يبقى رهين قابلية كل الأطراف للتعاون من أجل التوفّق لإتخاذ إجراءات عاجلة تبعث بإشارات دالة تعيد الثقة وتحفز على الانخراط في نهج البناء الجماعي على قاعدة الوعي المشترك بعلوية المصلحة العليا للوطن.
      في سياق هذا التمشي، واستجابة لاستحقاقات المرحلة الانتقالية، فإننا نرى أنه من المتأكد توجيه الحوار الاجتماعي إلى ما يساعد إلى التخفيف من الضغط الذي تمارسه تلك المعضلات الثلاث على المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر:
-      العمل على اتخاذ إجراءات عاجلة تساعد على تجاوز العراقيل الادارية التي تحول دون انجاز البرامج الخاصة بتشغيل الشباب من حاملي الشهادات العليا خاصة، وتلك المتعلقة بالتنمية الجهوية من ذلك مثلا بعث لجنة أزمة تتمتّع بالصلاحيات الضرورية لتفعيل هذه البرامج وإعادة إحيائها.
-      تركيز لجان تدخّل ووساطة متكوّنة من رجال أمن، ومن موفّقين محليين مدنيين، يباشرون ويسهرون على معالجة ما يحدث من نزاعات عنيفة في هذه الجهة أو تلك، والتحقيق في انشطة القطاع الغير المنظم بما في ذلك نشاط التهريب داخل البلاد وفي المناطق الحدودية.
-      ضبط مقاييس واضحة وموضوعية للإنتداب في الإدارة والمؤسّسات العمومية والخاصة، بعد التشاور مع المعطلين عن العمل وممثليهم.
-      تقديم الدّعم المالي الكافي للجمعيات التنموية الجهوية والمحلية، وخاصة تلك التي تضمّ حاملي الشهادات العليا، لتضطلع بدورها في مجال التشغيل والتأطير المحلي.
-      استحداث آليات جديدة للتشاور في المستوى المحلي بما يساعد المتساكنين على تبليغ صوتهم بشأن ما يتّخذ من قرارات وإجراءات اقتصادية واجتماعية.
-      التشديد على إدراج مسألة اللامركزية السياسية والاقتصادية في جدول أعمال المجلس الوطني التأسيسي، مع التركيز على ضرورة إعادة النظر في التقسيم الجهوي واستحداث المجالس الجهوية والجماعات المحلية على قاعدة الانتخاب ورصد ميزانيات مستقلة وهامة للجهات وفق مبدأ التمييز الإيجابي لفائدة المحرومة منها لمواجهة الاستحقاقات العاجلة للفئات الأكثر فقرا واحتياجا.
-      توجيه جهود المجموعة الدولية نحو الدعم المالي واللوجستي لجمعيات التنمية الجهوية والمحلية والمنظمات المهنية بما يساعدها على الاضطلاع بدورها التشاركي في أفضل الظروف.
هذه بعض الملاحظات والخواطر التي أردت المساهمة بها في هذه المناسبة، ولا شكّ أن مداولاتكم ستساهم في تعميق النظر حول موضوع الحوار الاجتماعي وشروط النهوض به في المرحلة الانتقالية بما يستجيب لتطلعات جماهيرنا الشعبية وأهداف ثورتنا الداعية إلى الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
مع تنمياتي لكم بالتوفيق والنجاح في أشغالكم،
والسّــــــــــلام.