2012/12/11

ما قبل الإضراب العام المحتمل

ما قبل الإضراب العام المحتمل



واليوم، مرت أربعة أيام على موجة الاضرابات الجهوية التي دعت إليها بعض الاتحادات الجهوية للشغل في انتظار تنفيذ الاضراب العام الوطني المقرّر ليوم الخميس 13 ديسمبر 2012.
على المستوى الرسمي تحاول الحكومة المؤقتة أن تبدو للجميع في موقف قوة، وواثقة من نفسها ومن قدرتها على مواجهة تنفيذ الاضراب العام الوطني إن حصل وحسن التصرف في تداعياته المحتملة.
ولكن هذا لم يمنع السيد رئيس الحكومة المؤقتة من ايفاد اثنين من مستشاريه للقاء السيد اسماعيل السحباني الأمين العام لاتحاد عمال تونس وفق ما تداولته مصادر اعلامية مختلفة.
ويتساءل العديد من المراقبين للشأن النقابي عن سرّ هذا اللقاء وفي هذا الوقت بالذات، وإن كان يهدف الى توجيه بعض العتاب الى اتحاد «عمال تونس» بعد بيانه الأخير المساند ضمنيا لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل»، أو كان يهدف على الأقل إلى تحييد اتحاد منظمة اسماعيل السحباني وضمان عدم تجاوبها مع الاضراب العام الوطني مقابل بعض «المكاسب» قد تكشف عنها الأيام لاحقا.
كما يتساءل هؤلاء إن كان هذا التحرك الموازي لرئاسة الحكومة سيشمل كذلك وفي نفس السياق الجامعة التونسية العامة للشغل أم لا.
وفي كل الحالات، وفي خضم هذا الحراك «شبه المستتر» لا يجب على بعض الأطراف أن تجهل أو أن تتجاهل:
ـ أولا: أن اتحاد عمال تونس كما الجامعة العامة التونسية للشغل تفرّخا  من رحم الاتحاد العام التونسي للشغل.
ـ ثانيا: أن هذين المنظمتين النقابيتين لا تختلفان في شيء عن المرجعيات الفكرية النقابية للاتحاد العام التونسي للشغل وعن ثوابته، فالمنظمات النقابية الثلاث يسوسها نفس الخط، خط الزعيمين حشاد وعاشور، حشاد النضال الوطني وعاشور النضال الاجتماعي.
ـ ثالثا: إن اتحاد عمال تونس والجامعة العامة التونسية للشغل لا يختلفان في شيء، كذلك عن الاتحاد العام التونسي للشغل خاصة في ما يتعلق بتركيبة القواعد النقابية وبطبيعتها وبأدائها وبتنوع انتمائها السياسي، فصلب هذين المنظمتين النقابيتين كل الحساسيات حاضرة تقريبا ولو بدرجات متفاوتة.
ـ رابعا: إن ما يمكن أن يعيبه البعض على الاتحاد العام التونسي للشغل، يعاب كذلك على اتحاد عمال تونس والجامعة التونسية للشغل بشكل أو بآخر.
ولكن يبقى الاتحاد العام التونسي للشغل متميزا ومتقدما بكثير على غيره بشرعيته التاريخية وبثقله الجماهيري وباحتضانه ثورة 14 جانفي 2011.
وعلى المستوى الرسمي كذلك نظم السيد رئيس الجمهورية، في محاولة منه لرأب الصدع وتخفيف حدّة التوتر، مأدبة عشاء حضر فيها من حضر وغاب عنها من غاب، وإنّ نقرأ جميعا حسن نية السيد رئيس الجمهورية في مبادرته هذه، فهذا لا يمنع من ابداء ملاحظتين:
ـ أولا: كان من المفروض أن تكون مأدبة العشاء هذه تتويجا لمبادرة وطنية يكون الاتحاد العام التونسي للشغل الطرف الرئيسي فيها وتنتهي بنزع فتيل المواجهة المحتملة، حينها يكون لمأدبة العشاء معناها وأثرها.
ـ ثانيا: قد يكون السيد رئيس الجمهورية على غير دراية بما يكفي ببعض نواميس الاتحاد العام التونسي للشغل وببعض آلياته التاريخية التي تقود اتخاذ قراراته الهامة لما وجّه دعوته لمأدبة العشاء الى القيادات السياسية.
وفي قضية الحال بالتحديد، قد يخطئ السيد رئيس الجمهورية عندما يحاول أن يعالج المسألة بالاتكال وبالاستناد على القيادات السياسية بهذا الشكل، والحال أن هذه القيادات السياسية الحاضرة والغائبة هي أحيانا أعجز عن السيطرة على مسار الأمور داخل هياكل الاتحاد في ظلّ قاعدة «توازن الأضداد» بكل تجلياتها السياسية وغير السياسية.
أما السيد، رئيس المجلس التأسيسي ففضل أن يتابع الوضع كمن يقول في قرارة نفسه «عاش من عرف قدره» فصمت صمتا يشبه صمت القبور.
أما على المستوى الشعبي، وفي حين يواصل الاتحاد العام التونسي للشغل تعبئة قواعده غير عابئ على ما يبدو بالحملة المضادة التي تستهدفه، فإن أبرز ما يمكن تسجيله فضلا عن التراجع اللافت في مضمون تصريحات الشيخ راشد الغنوشي هو الاقبال دون المأمول على تحرك القوى المناهضة للاتحاد يوم السبت الماضي بتونس العاصمة.
ومقابل الفشل الجماهيري لهذا التحرّك، نجح في نفس اليوم تحرك صفاقس في حشد التعبئة  الجماهيرية المطلوبة، وقد تفضلت قناة «الجزيرة» مباشر بنقل وقائعه على الهواء مباشرة، من فرط غباء هذه القناة أنها ركزت أحيانا على مشاهد لعشرات المشائخ وأصحاب العمائم وهم يحتلون في صورة فلكلورية الصفوف الأمامية لمسيرة «مدنية» مندّدة بالاتحاد ورفعت فيها شعارات  لنصرة الرئيس المصري محمد مرسي!!!
وطبعا غاب عن هذه القناة المحترمة أن تشير الى قوافل السيارات وعربات النقل الجماعي التي توافدت على المدينة من مختلف معتمدياتها ومن الولايات المجاورة لتأمين حشد أكبر عدد ممكن من المشاركين في هذا التحرك.
ولهذا السبب فقط، فإنّ مقارنة الحشد الجماهيري لتحرك يوم السبت الماضي بصفاقس بالحشد الجماهيري يوم تنفيذ الجهة لاضرابها الجهوي لا تستقيم  أصلا. 
                                                                         التونسية 2012/12/11