2012/05/14

المناضل حسين التريكي في ذمة اللّه : حين عرفناه...وأحببناه... غادرنا بلا وداع


المناضل حسين التريكي في ذمة اللّه : حين عرفناه...وأحببناه... غادرنا بلا وداع

الإثنين 14 ماي 2012 الساعة 13:14:25 بتوقيت تونس العاصمة


Slide 1


الخبر نزل كالصاعقة مساء أمس الاول: المناضل حسين التريكي في ذمّة ا&. فقد تعرّض الى حادث سير في «بيونس آيرس» عندما كان يغادر الجامع بعد أدائه صلاة الجمعة.

 طَلاّبُ شهادة في سبيل الوطن الكبير والصغير...منذ كان عمره 16عاما... ركب صهوة النضال الوطني باكرا، وواصل مشواره الطويل والمعقد... كان يبحث عن الحقيقة ويعلي صوت الحق في تونس المحتلة والجزائر المستعمرة وفلسطين   عنوان وطليعة الكفاح العربي من أجل الاستقلال... المناضل العروبي التقدمي حسين التريكي،  وحده بقي شاهدا على مرحلة الكفاح الوطني المغاربي والعربي ضد الاستعمار. كان بيننا هنا في تونس ردهة من الأيام القليلة بعد ثورة 14 جانفي 2011 إلى حدود  أشهر قليلة ماضية... عايش تفاعلات الثورة...

وشهد عن فترة  عايش فيها كبار المناضلين... من مكتب  المغرب العربي بالقاهرة الذي أسسه أعضاء الأحزاب الوطنية وقتها سنة 1947 إلى دخول الثورة الفسلطينية  منعرج  المصير مرورا بالثورة الجزائرية التي أمن لها الشهيد حسين التريكي إنتشارا وتعريفا بها كقضية عادلة تماما كما كان الشأن مع فلسطين... من المنستير موطنه إلى العاصمة تونس فباريس ثم القاهرة «فبيونس آيرس» بالأرجنتين مثل المناضل حسين التريكي حلقة الوصل بين العرب وشعوب أمريكا اللاتينية.

 عانى في العهدين... بورقيبة وبن علي وحكم عليه  بالإعدام والسجن..فكان الفرار من قبضة الجلادين والعملاء، ديدنه... ومثل النضال ومسك الرسالة  أساس حياته...أصرّ بشدة وتونس تعلن ثورتها  على أن يأتي إلى البلاد...وحاول أن يرأب الصدع في أكثر من حزب أو تيار...ينكر ذاته فعليا...ويبتسم وهو يتذكر  أن حياته التي تواصلت إلى ما بعد التسعين هي منة من الله وحده عزّ  وجلّ... لأن المناسبات التي يمكن أن يقابل فيها وجه ربه كثرت وأكثر من تواترها الأعداء... لكن شاء ربك أن يمنحه الشهادة، وهو يغادر الجامع بعد صلاة الجمعة بالعاصمة الأرجنتينية حين دهسته حافلة (؟!) فحدث له النزيف والكسر في مستوى الأضلع... لم يقاوم كثيرا، فقد آذن المولى أن يلفظ أنفاسه في الأرجنتين التي أبلى فيها البلاء الحسن منذ نصف قرن لفائدة فلسطين والجزائر...

 الشهيد حسين التريكي فعل ما لم يقدر على فعله كل السفراء العرب الذين تعاقبوا على عواصم أمريكا اللاتينية فعرف بالصهيونية وكشف مخالبها...وعرى الاستعمار والرجعية وبين بالملموس كيف أن هذا الثالوث هو الذي جعلنا كعرب في أسفل الدرجات بعد أن أمكن للعقل العربي أن  يقود الإنسانية علما وحضارة...ولمدة قرون...الشهيد حسين التريكي ذاك الوجه الطفولي الهادئ، يغادرنا عن سنّ تناهز 97 سنة، لكن ما أتاه من كتابات وإسهامات فكرية ومترجمة للغات عديدة، يجعل عمره بحساب القرون... فعمره عمر حضاري...

فعلا، كان عمره الحضاري يمتدّ إلى قرون... ليس مجاملا، ولا هو داهية من الدّهاة من صنف أولئك السياسيين الذين يؤمنون بأن الغاية تبرّر الوسيلة...
قاوم وجاهر بذلك كل من بورقيبة وبن علي. لأن الثورة التي تبنّاها تعني بالنسبة له أن تصبح القصرين  مثل «روان» الفرنسية والكاف كما «باري» في ايطاليا...
حضر الثورة التونسية وكان يبحث عن الخيط الصامد الذي يمكن أن يعبر بتونس إلى برّ الأمان...

لم ينبس بكلمة، ولم يتحدث عن تكريم لكننا ودننا أن نرى العالم والمناضل حسين التريكي في صدارة المدعوين في جلسة الافتتاح بالمجلس الوطني التأسيسي ذات يوم في نوفمبر الفارط... حتى نتيقن أن لتونس كبارا... وأن الشعب التونسي ليس سليل «عرّوج» و«بربروس» القراصنة من الألبان، بل هو شعب سليل، يعرف كيف يكافئ كباره...

لكن التريكي آثر يومها أن يحتج خلف السور على التأسيسي مطالبا أكثر من مرة بأن يتضمن الدستور تجريم التطبيع والصهيونية.
ظنّنا أنه سيعرف مصير أحمد بن بلاّ، حين دخل  بلاده أول مرة بعد المنفى، مبجّلا، مكرّما... لكن «سي حسين» خذلنا نحن الذين أحببناه، وتُقنا إلى أن ننهل من معارفه ومعلوماته حول البلاد والعباد... خذلنا وتسلّل ذات يوم في غفلة منّا... قافلا الى الأرجنتين...

تاركا إبنا بارّا هو الأستاذ عمر التريكي، ذاك الذي سيذكرنا دوما أن المنستير أنجبت في ما أنجبت، رجالا عاهدوا اللّه والوطن على الوفاء...
«هذه فلسطين... الصهيونية عارية» هو كتاب سي حسين التريكي الأخير في نسخة منقّحة، وهو يعتبر أن فلسطين ماتزال خفاياها غير معروفة  للرأي العام، وأنه من واجبنا إذا ما أردنا النجاح لثوراتنا العربية أن نطرح هذه الحقائق الموثقة في الكتاب... الذي لم يكن إنتاجه الوحيد.

فهل يكون هذا الأثر «هذه فلسطين...الصهيونية عارية» قد «سرّع» في إستشهاده كما كان الأمر مع عبد الوهاب الكيالي في كتابه «تاريخ فلسطين الحديث» والذي عدّد فيه كما التريكي جرائم الاستعمار والصهيونية وتواطؤ الرجعية العربية في نكبة فلسطين.