2011/11/18

على خلفية «ملف» عبد السلام جراد أيّة علاقة راهنة ومستقبلية بين «ترويكا» الحكم واتحاد الشغل؟


على خلفية «ملف» عبد السلام جراد

أيّة علاقة راهنة ومستقبلية بين «ترويكا» الحكم واتحاد الشغل؟



يبدو أن رياح تشكيل حكومة "الخروج من عنق الزجاجة" لم تأت بما تشتهيه سفن الأحزاب الثلاثة المتعاقبة على طاولة المفاوضات والتي يبدو أن سفينتهم ارست على شاطئ "اللاشيء" وذلك بالعودة إلى التصريحات المتواترة من هذا الشق أو ذاك وبالرغم من رسائل الطمأنة التي تبعث بها حركة النهضة لجميع الأطراف.
وتبدو الحكومة القادمة ان تشكلت اصلا تعيش مخاضها العسير ولئن كان مصدر العسر فيها -وبخلاف ما يردده البعض- فان الانتخابات لم تات باغلبية حكم بل انها اتت باكثرية عددية لحركة النهضة التي لم تؤهلها للتصرف باريحية وفق ما تريد ولأمر كهذا خيرت النهضة الدخول في تحالفات مع حزبي المؤتمر وحزب التكتل وهما الحزبان الاقرب لتشكيل نحو نصف اعضاء المجلس أي ما يساوي 50 بالمائة منه وهو ما خلق شكلا من أشكال "الترويكا" السياسية دون الحاجة إلى احزاب اخرى رغم تداول مصطلح حكومة وطنية "تضم الجميع".
وبالعودة إلى طبيعة الترويكا والعلاقات الرابطة بينهم بعد الانتخابات يصح ذلك المثل السياسي القائل "في السياسة لا عدو دائم ولا صديق دائم" مما يعني وبالضرورة أن علاقة الثلاثي هي علاقة مصالح ومغانم سياسية لا مصلحة وطنية كما يروج البعض منهم لذلك.

لقاءات تكتيكية أم تحالفات انتهازية؟

بدا واضحا منذ البدء أن حزب المؤتمر من اجل الجمهورية سيكون الحليف الاشد ميراسا على النهضة والاصعب في الترويض لان هذا الحزب لن يفوت الفرصة دون أن يستغلها لقادم الايام وهو ما يفسر غضب اطراف من التكتل حين رجحت حركة النهضة كفة المرزوقي للرئاسة على حساب بن جعفر وذلك وفقا لما راج من انباء اثر انسحاب التكتل من المشاورات الثلاثية وهو امر لم ينفه ولم يؤكده اي طرف سياسي من الحزب.
وعلى صعيد اخر يبدو موقف المؤتمر اشد تماسكا من حيث الاجراءات التي شدد عليها الحزب منها تصفية كل مظاهر الحكم القديم ومحاكمة جذرية للارث الاداري النوفمبري وبمثل هذه المبادئ يدرك المؤتمر انه لا حزب النهضة بقادر على تحقيق هذا الخيار ولا التكتل يرغب في ذلك.
وفي نفس الوقت يدرك المؤتمر أن النهضة غير قادرة على جمع حلفاء آخرين وستبقى دائرة التعامل السياسي منحصرة في ثلاثي الحكومة لتجد الحركة بذلك نفسها مضطرة للتعامل مع المؤتمر وفقا لشروطه التي لا تتوافق مع ما تريده النهضة وهو امر يفسره بشكل مباشر رفض كوادر المؤتمر من اجل الجمهورية اي تواجد لبقايا الحقب السياسية الماضية ورفضهم مشاركة الوزير الاول بالحكومة المؤقتة. الباجي قائد السبسي في الحكومة القادمة.
وقد لامست حركة النهضة هذا الامر وعرفت أن لا مفر لها الا بتوسيع قاعدة الشركاء السياسيين ويبدو أن رسائل الحركة القائمة على الدعوة إلى المشاركة الواسعة والمفتوحة متجهة اساسا إلى طرفين هامين وهما الحزب الديمقراطي التقدمي من جهة والاتحاد العام التونسي للشغل من جهة اخرى اذ انه وبمجرد قبول اي طرف منها لنداء "الانقاذ" والانخراط مع الاغلبية "النهضاوية" سينتهي تصلب "المرزوقي" وتنتهي شراسته في المفاوضات لفائدة النهضة.

اتحاد الشغل.. نعم.. ولكن..

من يقدر على الاتحاد؟ سؤال رافق الدولة التونسية منذ تاسيسها حيث لم يستقر أي حكم ما لم يكن هناك جو من التطبيع والوئام مع المنظمة الشغيلة.
فعلاقة المصاهرة التي كانت الدولة تقيمها مع الاتحاد، ارسى معالمها الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة حيث كلما ضاق به الحال الا واستدعى رجالات الاتحاد وادمجهم في الحكم والخيارات وكلما عرف القصر تجاذبات أو اشتد حال الحكم الا وظهر في الواجهة الاخرى الاتحاد ليشق عصا الطاعة ويظهر للجميع أن لا احد بامكانه أن يصدع بكلمة "لا" غيره هكذا كانت تونس بين "الحبيبين بورقيبة وعاشور" وبين قرطاج وساحة محمد علي.
ولم تنته العلاقة بقدوم الحكم النوفمبري بل اعيد انتاجها من جديد اذ بمجرد أن ركز "بن علي'' دعائم حكمه حتى قام بابعاد الزعيم النقابي الراحل "الحبيب عاشور" بطريقة ظلت غامضة إلى اليوم وان لفها شك تحت ستار "الرجل استقال" ودخل الطرفان بعد ذلك في عقد الامان المتبادل إلى أن بدات ملامح ثورة في الافق حيث كشر الاتحاد عن انيابه يومي الاضراب العام بصفاقس والإضراب العام بتونس.

عود على بدء

ولعل اكثر الاسئلة الحاحا في هذه الفترة هي كيف تبدو ملامح العلاقة بين الاتحاد و"ترويكا الحكم"؟
من الواضح أن التكتل يحافظ على علاقات جيدة مع الاتحاد وهو لذلك لا يرى مانعا لوجوده في حكومة "نهضوية" ما لم يشاركه فيها اتحاد الشغل الا أن المعظلة المستقبلية متاتية اساسا من حزب المؤتمر حيث كانت البداية سيئة بما أن احد ابرز كوادر الحزب عبد الروؤف العيادي قد سارع برفع دعوى قضائية ضد الامين العام للمنظمة عبد السلام جراد وهو ما فهمه المكتب التنفيذي للمنظمة على اساس أن القضية المرفوعة بمثابة دعوة واضحة "للرحيل" وهو امر لم يقبله النقابيون الذين يعتبرون أن المكتب التنفيذي جاء عن طريق الاقتراع ولن يرحل الا من خلاله بالاضافة إلى أن النقابيين يرون في الاتحاد راس الثورة ومن حقهم مواصلة المعركة حتى بلوغ بر الامان.
هكذا تبدو ملامح الشد والجذب ولا احد يعلم كيف ستنتهي العلاقة بين الحكم الجديد والاتحاد القديم الجديد. 
الصباح التونسية 2011/11/18