2012/08/27

حتى لا يُعيد صندوق النقد الدّولي سيناريو 26 جانفي 1978 في تونس

حتى لا يُعيد صندوق النقد الدّولي سيناريو 26 جانفي 1978



مرّت تونس خلال ستينات القرن الماضي بتجربة التعاضد التي فشلت فشلا ذريعا لكونها أدخلت البلاد في متاهات الظلم الاجتماعي وأدّت إلى اضطهاد رؤوس الأموال وتفقير الفلاحين( مع اعتقاد البعض أنّه وقع إفشال هذه التجربة لغاية في نفس يعقوب).

و في 1970، شغل الهادي نويرة منصب وزير أول في عهد الحبيب بورقيبة، وانفتحت في عهده الدولة على المبادرة الخاصة عملا ببرنامج الإصلاح الهيكلي لصندوق النقد الدولي الذي هدف خلال تلك الفترة إلى إخراج تونس من تجربة التعاضد، لكنّ نتيجة تطبيق تلك التوصيات هي دخول حكومة نويرة في أزمة مع الاتحاد في 1978.

وفي 3 أوت الجاري، أصدر صندوق النقد الدولي  تقريرا قدمّ فيه جملة من التوصيات لحكومة الجبالي والتي كان بعضها شبيها بما تم تقديمه لحكومة نويرة، وتزامن هذا التقرير مع مواصلة الحكومة الحالية في التداين في ظرف تشهد فيه البلاد انتعاشة اقتصادية متذبذبة.
فماذا وقع تحديدا في أحداث 26 جانفي 1978 أو ما عرف آنذاك بـ "الخميس الأسود"؟ فيم تتمثّل التوصيات التي قدمّها صندوق النقد الدولي لحكومة الجبالي؟ هل من شأن هذه التوصيات أن تدفع تونس إلى خوض نفس أحداث 78 خاصة أنّ الاتحاد العام التونسي للشغل تبنى مطالب الشعب الاجتماعية وراهن على تحقيقها؟ ما رأي خبراء الاقتصاد في سياسة التداين التي تتبّعها الحكومة؟ هل وصلت البلاد فعلا إلى مرحلة الخطر؟ وهل من شأن التداين أن يدفع البلاد إلى خوصصة بعض المؤسسات الكبرى خاصة أنّ الحكومة أصبحت اليوم تقترض من أجل تسديد ديون أخرى؟
كلّ هذه التساؤلات طرحتها "الصباح الأسبوعي" على بعض خبراء الاقتصاد بالإضافة إلى الحديث مع الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل سمير الشفي، وذلك بهدف أن لا يتكرر سيناريو 1978 الذي لعبت فيه توصيات صندوق النقد الدولي دورا كبيرا.
إعداد: خولة السليتي
ـــ
ماذا حدث في 1978؟
34 سنة مرّت على أحداث 26 جانفي 1978 أو ما يعرف بأحداث الخميس الأسود وهي أحداث ناتجة عن سلسلة من التراكمات، تعود بداياتها إلى دخول النظام الرأسمالي العالمي في أزمته الحادة بداية من سنة 1973 ، مما انعكس سلبا على الاقتصاد التونسي خاصة أنّ حكومة نويرة تخلصّت من تجربة التعاضد المعمول بها في الستينات وتبنت النظام الاقتصادي الحر  عملا بتوصيات صندوق النقد الدولي. فقد أدت أزمة النظام الرأسمالي العالمي إلى تراجع نسبة النمو خلال تلك الفترة وتراجع التوازنات العامة للبلاد والمقدرة الشرائية بالإضافة إلى ارتفاع نسب التضخم والبطالة ونسبة الفقر مما دفع حكومة الهادي نويرة  إلى اللجوء إلى التداين كحلّ لتجاوز الأزمة.
تردّي هذا الوضع الاقتصادي أدى إلى فشل مشروعي "المجتمع الوسط" و"العدالة الاجتماعية" اللذان وعدا بهما الهادي نويرة وسعى إلى إرسائهما من خلال تطبيق توصيات صندوق النقد الدولي، فقد باتت الفوارق بين الطبقات والجهات واضحة مما أدى إلى تحولّ الأزمة من اقتصادية إلى اجتماعية. وأدّى تراكم الظروف إلى نشوب خلاف بين حكومة الهادي نويرة والاتحاد العام التونسي للشغل، وبدأ الخطاب النقابي يأخذ منحى يتماشى مع الصعوبات الاجتماعية وارتفاع أسعار بعض المواد الضرورية وتجميد الأجور بالإضافة إلى انتشار مظاهر الثراء الفاحش والمضاربات.
كلّ هذه المؤشرات أدّت إلى انفجار الوضع، فدخل الإتحاد في إضراب عام يوم 26 جانفي 1978، ومثلّ هذا اليوم المرة الأولى في تاريخ تونس التي ينزل فيها الجيش   وهو ما أدى إلى وفاة عدد من النقابيين بالإضافة إلى سقوط عدد هائل من الجرحى ناهيك عن طرد المئات من النقابيين من شغلهم ومحاكمة آخرين وخصوصا القيادات النقابية.
ـــ
الوضع الاقتصادي الحالي: انتعاشة لا تخلو من صعوبات!
رغم الظروف التي مرّت بها البلاد منذ الثورة ، فإنّ الوضع الاقتصادي شهد تحسنا ملحوظا مقارنة بالسنة الماضية حيث أعلن وزير السياحة الياس فخفاخ أنّ نسبة عائدات القطاع نمت إلى 36% خلال السداسي الأول من السنة الجارية مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي مؤكدا تعافي القطاع السياحي، كما نجحت تونس في استعادة تدفق السياح من عدّة دول على غرار روسيا وبريطانيا وبلجيكيا.
من جهة أخرى، سجلت الاستثمارات الخارجية المباشرة في تونس ارتفاعًا خلال النصف الأول من العام الحالي بنسبة 44.9% مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
وأوضح وزير الاستثمار والتعاون الدولي رضا بالطيب في تصريحات صحفية أن تلك الاستثمارات تجاوزت 665 مليون دولار مشيرًا إلى أن 71 مؤسسة جديدة دخلت حيز الإنتاج من بينها 40 مؤسسة صناعية. وأفاد بأنه جرى إنجاز 120 عملية توسعة لمؤسسات قائمة في إطار تعزيز نشاطها في تونس، ما أحدث ما يزيد على ستة آلاف و750 فرصة عمل جديدة.
ورغم إقرار عدد من الخبراء بأنّ الحديث حاليا عن انتعاشة اقتصادية لا يستوجب المقارنة مع 2011 باعتبار أنّ البلاد لم تكن في حالة استقرار خلال تلك الفترة، فإنّ الحكومة تعتبر أن الوضع الاقتصادي يسير باتجاه التحسن مقارنةً مع الوضع الكارثي الذي سجّله عام 2011، خاصة في ظلّ توقعها انتهاء العام الجاري بنسبة نمو تناهز 2%  أو 3%.
ورغم هذا التطور وسعي الحكومة إلى النهوض بالاقتصاد الوطني، فقد كشفت بيانات للمعهد الوطني للإحصاء أن الميزان التجاري لاقتصاد البلاد سجل خلال الأشهر السبعة الماضية عجزا بلغ نحو 900 مليون دينار تونسي مما أصبح يمثل خطرا على التوازنات الحياتية للبلاد، وبلغت نسبة التضخم المالي 5.6% موفى الشهر الماضي.
هذه الصعوبات الاقتصادية حملّ فيها الخبراء المسؤولية بدرجة أولى للحكومة دون أن ينسوا الظرف الاقتصادي الذي تمرّ به مختلف دول العالم خاصة دول الاتحاد الأوروبي وأزمة الأورو باعتبار أنّ معاملات تونس مع دول الاتحاد تصل إلى 80%، ما من شأنه التأثير سلبا على الاقتصاد الوطني في وقت قررت فيه دول الاتحاد اتباع سياسة التقشف.
وباعتبار أنّ نجاح المرحلة الانتقالية رهين ازدهار الوضع الاقتصادي، فإنّ عدّة دول أجنبية ومؤسسات مالية عالمية مهتمة بالشأن التونسي، كما هو الشأن بالنسبة لصندوق النقد الدولي الذي أصدر تقريرا خلال الشهر الجاري قدمّ فيه جملة من التوصيات للحكومة للنهوض بوضع البلاد الاقتصادي.
ـــ
من توصيات صندوق النقد : الحدّ من النفقات العمومية.. إصلاح منظومة الدعم.. وترشيد السياسة النقدية
تركّز التعاون بين تونس وصندوق النقد الدولي خلال السنوات الأخيرة على المراجعة السنوية للاقتصاد التونسي عبر بعثات التقييم والتشاور الدورية ومراجعة التصرف في الاقتصاد الشامل للبلاد.
وفي آخر تقرير له صدر يوم 3 أوت الجاري، دعا صندوق النقد الدولي إلى إعادة التوازن بين السياسات المالية والنقدية لدعم النمو الاقتصادي على المدى القصير والمحافظة على الاستقرار الاقتصادي عبر مواصلة الحكومة سياستها المالية والجبائية التوسعية الموجهة للاستثمار العمومي مقابل تحولّ السياسة النقدية تدريجيا من سياسة توسعية إلى انكماشية للحد من التضخم الذي تشهده البلاد. وأشار التقرير إلى وجوب ترشيد السياسة النقدية ومزيد التنسيق بينها وبين السياسة المالية من خلال إيجاد إطار مؤسساتي لصياغتها التي قال عنها إنها تشكو من نقائص كبيرة خاصة منها اتخاذ قرارات من قبل مجلس إدارة البنك المركزي لضبط نسب الفائدة بالاعتماد على مؤشرات عامة وغير مواكبة وإلى مراجعة قانونه الأساسي بما يؤدي إلى إطار أجدى لاستقلاليته ومحاسبته،هذا بالإضافة إلى دعوته وضع استراتيجية للتقليص من الخسائر والديون. كما دعا إلى التحكم في النفقات العمومية.
وحث التقرير الحكومة على تجاوز عوائق قدرة الإنجاز وتسريع إنجاز برامج الاستثمار العمومي الطموحة واتخاذ تدابير لضبط المصاريف الجارية.
أهمّ تحدّيين للحكومة
في نفس الإطار، اعتبر صندوق النقد الدولي أنّ  الخطوات السابقة غير كافية وبطيئة لتعصير وتدعيم النظام البنكي خاصة أن المراقبة البنكية لم تكن متطورة بشكل كاف لكونها دون المعايير المعتمدة، داعيا إلى ضرورة تناول مشاكل النظام البنكي بخصوص رأسملة البنوك وتوفير السيولة.
من جهة أخرى، اعتبر تقرير صندوق النقد الدولي أن البطالة في صفوف الشباب خاصة والتفاوت الاقتصادي بين الجهات هما أهم تحديين على المدى المتوسط وعلى الحكومة معالجتهما. كما  دعا صندوق النقد الدولي إلى إصلاح منظومة الدعم بما يمكّن من تقليص عجز الميزانية وتوجيهه للشرائح المستحقة.
تحقيق النمو ممكن.. لكن
وفي نفس الإطار، اعتبر صندوق النقد الدولي أنّه رغم الوضع الذي تمرّ به البلاد، فإنّ التوصل إلى نسبة نمو في حدود6 % ممكن ويستوجب إنجاز الإصلاحات الهيكلية المبرمجة من قبل الحكومة لدعم الاستثمار الخاص وتوفير التمويل الخارجي الكافي سنويا والمقدر بـ5000 مليون دولار بما في ذلك الاستثمار الخارجي المباشر رابطا ذلك بتوفر شروط محددة هي المحافظة على الاستقرار الاقتصادي وتحسين الحوكمة ومناخ الأعمال للشركات وإصلاح سوق العمل والنظام التربوي وإصلاح النظام البنكي.
فهل تسعى الحكومة إلى تطبيق توصيات صندوق النقد الدولي الذي سبق وقدم بعضا من هذه الحلول خلال السبعينات لتجاوز الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد خلال تلك الفترة والتي لم تكن ناجعة آنذاك؟هل ستتبّع حكومة الجبالي سياسة التعديل الهيكلي "المشترطة" والتي من شأنها أن تجعل البلاد ضحية ديكتاتورية المديونية باعتبار أنّ المؤسسات المالية الكبرى لا تمنح قروضا للدول إلا بعد استجابتها لتوصياتها؟ هل ستستخلص حكومة الجبالي العبرة من حكومة بن علي الذي لم يكن وفيا للخبرات التونسية بقدر وفائه للمؤسسات المالية العالمية بما في ذلك صندوق النقد الدولي الذي أثبت فشل تجربته في تونس باعتبار أنّ البنوك قامت على مطالب اقتصادية واجتماعية بالأساس؟ ثم هل تلتزم الحكومة بعدم تطبيق توصيات صندوق النقد الدولي بحذافرها استنادا إلى تجارب بعض الدول باعتبار أنّ تدخلّ صندوق النقد في إفريقيا واليونان والمغرب كان فاشلا

                                                     الصباح   تونس في يوم   الإثنين 27 أوت 2012